فنزويلا بين السيادة المختطفة وشريعة القوة الأمريكية

Admin Sa.El4 يناير 2026Last Update :
فنزويلا بين السيادة المختطفة وشريعة القوة الأمريكية

skymidaralto.com

إذا صحت الأنباء المتداولة عن نقل رئيس فنزويلا قسرا إلى نيويورك لمثوله أمام القضاء الأمريكي، فإن ما جرى لا يمكن توصيفه إلا باعتباره اختطافا سياسيا مكتمل الأركان، وانتهاكا سافرا لمبدأ السيادة الوطنية، وحلقة جديدة في سلسلة طويلة من التدخلات الأمريكية في الشأن الفنزويلي، تدخلات لم تبدأ اليوم ولم تكن يوما استثناءً، بل تمثل سياسة ممنهجة قائمة على منطق إخضاع الدول غير المنصاعة للإرادة الأمريكية، فالقصة في فنزويلا ليست قصة رئيس بعينه، بل قصة دولة قررت في لحظة ما أن تخرج عن المسار المرسوم لها. فمنذ وصول هوغو تشافيز إلى الحكم عام 1999، دخلت فنزويلا في مواجهة مفتوحة مع واشنطن، لا بسبب الديمقراطية أو حقوق الإنسان كما يُروّج، بل بسبب قرار سيادي صريح باستعادة السيطرة على النفط، وإعادة تعريف العلاقة مع الشركات متعددة الجنسيات، وبناء سياسة خارجية مستقلة، وهو ما اعتُبر في واشنطن خطيئة استراتيجية لا تُغتفر، فجاء الرد سريعا عام 2002 عبر دعم انقلاب عسكري أطاح بتشافيز لساعات، في سابقة موثقة كشفت كيف يمكن للديمقراطية أن تُلغى إذا جاءت بنتائج غير مرغوب فيها، ورغم فشل الانقلاب وعودة تشافيز بدعم شعبي، لم تتوقف محاولات الخنق السياسي والاقتصادي، بل تصاعدت عبر العقوبات، والضغط الدبلوماسي، وتمويل قوى داخلية لإضعاف الدولة من الداخل، ومع وفاة تشافيز لم تنتهِ المواجهة، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر عدوانية في عهد خلفه نيكولاس مادورو، حيث شهد العالم مشهدا غير مسبوق باعتراف الولايات المتحدة برئيس موازٍ غير منتخب، في انقلاب سياسي ناعم لا يقل خطورة عن الانقلابات العسكرية، ثم محاولات متكررة لعزل الحكومة دوليا، وتجميد أصول الدولة، وفرض عقوبات جماعية ألحقت أضرارا مباشرة بالشعب الفنزويلي، في تناقض صارخ مع الخطاب الأمريكي حول حماية المدنيين، وإذا أُضيف إلى هذا السجل الطويل ادعاء نقل رئيس دولة بالقوة لمحاكمته خارج بلده، فإننا نكون أمام تصعيد نوعي يمس جوهر النظام الدولي نفسه، لأن الحصانة السيادية لرؤساء الدول ليست تفصيلا قانونيا بل ركيزة أساسية للاستقرار الدولي، وتجاوزها حتى تحت ذريعة القضاء أو مكافحة الجريمة يعني فتح الباب أمام شريعة الغاب، حيث يفرض القوي ولايته القضائية على الضعيف، ويحوّل العدالة إلى أداة سياسية، وفي هذا المشهد يبدو مجلس الأمن كأنه متفرج عاجز، فاقد للهيبة، غير قادر على حماية المبادئ التي أُنشئ من أجلها، ما يطرح سؤالا وجوديا: هل ما زلنا نعيش في نظام دولي تحكمه القواعد، أم في سوق قوة مفتوح تُدار فيه الدول بمنطق الإدارة القسرية؟

إن فنزويلا، من تشافيز إلى اليوم، ليست سوى مثال صارخ على كيف تُعاقَب السيادة، وكيف تُفرّغ المواثيق الدولية من مضمونها عندما تتعارض مع المصالح، وحين تُختطف الدولة سياسيا باسم القانون، يصبح العالم كله مشروع رهينة.

Loading

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
Translate »