الدريوش وميضار، حين يُستدعى المواطن انتخابيا ويُنسى سياسيا

Admin: Said El3 ساعات agoLast Update :
الدريوش وميضار، حين يُستدعى المواطن انتخابيا ويُنسى سياسيا

skymidaralto.com

مع كل موعد انتخابي، يعود المواطن في الدريوش وميضار إلى واجهة المشهد، بعد أن كان حضوره السياسي والاجتماعي محدودا طوال السنوات السابقة. فجأة، تتحول الأسواق والأحياء والمقاهي ووسائل التواصل الاجتماعي إلى فضاءات للقاءات والوعود والبث المباشر، ويستعيد المرشح علاقته بالمواطن وكأن الانتخابات وحدها هي التي تفرض عليه الاستماع إلى مطالبه.

المفارقة أن المواطن لا يحتاج إلى السياسي فقط عندما يكون صوته مطلوبا، بل يحتاجه طوال السنة: حين يبحث الشباب عن العمل، وحين تعاني المنطقة من مشاكل الخدمات والصحة والبنية التحتية، وحين تتعثر المشاريع وتغيب فرص الاستثمار. لذلك فإن المشكلة ليست في زيارة المرشحين للأسواق أو تواصلهم مع المواطنين، وإنما في أن يتحول هذا التواصل إلى سلوك موسمي ينتهي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.

وفي الحملات الانتخابية، تتكاثر الوعود كما لو أن المرشح يمتلك عصا سحرية قادرة على حل جميع مشاكل الإقليم بمجرد وصوله إلى البرلمان. مشاريع، وظائف، استثمارات، تحسين للخدمات ومستقبل زاهر؛ فيما ينشغل بعض المرشحين أيضا بانتقاد خصومهم والأحزاب المنافسة، وتقديم أنفسهم باعتبارهم البديل القادر على إنقاذ المنطقة.

لكن المواطن اليوم يحتاج إلى ما هو أكثر من الخطاب. يحتاج إلى برنامج واقعي، وإلى معرفة ما يستطيع المنتخب فعله فعلا، وما يدخل في اختصاص الحكومة أو الجماعات أو الجهات، وإلى حصيلة يمكن محاسبة صاحبها عليها. فالسياسة لا تُقاس بعدد الصور في الأسواق ولا بعدد المشاهدات في اللايفات، وإنما بما تحقق على الأرض.

ومن هنا يمكن فهم جزء من أزمة الثقة التي تعانيها العلاقة بين المواطن والأحزاب. فحين تتكرر الوعود ولا يرى المواطن نتائج ملموسة، يصبح الخطاب الانتخابي أقل تأثيرا، ويصبح العزوف عن المشاركة تعبيرا محتملا عن شعور بأن العملية السياسية لا تغير شيئا في الحياة اليومية.

ويزداد المشهد تعقيدا مع الحديث المتكرر عن المال الانتخابي والوسطاء والسماسرة. ولا يصح تحويل كل ما يتداول محليا إلى حقيقة ثابتة من دون أدلة أو شكايات أو تحقيقات، لكن ظاهرة استعمال المال للتأثير في الناخبين تبقى من أخطر ما يمكن أن يهدد نزاهة الانتخابات. فحين يتحول الصوت إلى سلعة، تتحول المنافسة من صراع بين البرامج إلى سباق في القدرة على الإنفاق والحشد، ويصبح المواطن معرضا للاستغلال بدل أن يكون صاحب القرار.

أما الشباب، الذين يفترض أن يكونوا في قلب أي مشروع سياسي وتنموي، فلا ينبغي أن يُستحضروا فقط في صور الحملات والبثوث المباشرة. المطلوب هو إشراكهم فعليا في النقاش العمومي، والاستماع إلى مطالبهم خارج الموسم الانتخابي، وتقديم حلول واقعية لمشاكل العمل والاستثمار والهجرة ومستقبل المنطقة.

إن أزمة الانتخابات في إقليم الدريوش ليست فقط أزمة مرشحين أو احزاب، بل أزمة علاقة سياسية تحتاج إلى إعادة بناء. المواطن لا يريد من يتذكره قبل الاقتراع وينساه بعده؛ يريد منتخبا حاضرا، يستمع إليه، يشرح له حدود صلاحياته، ويعود إليه بحصيلة واضحة.

فالانتخابات قد تنتهي بإغلاق الصندوق، لكن مسؤولية المنتخب تبدأ في اليوم التالي. وإذا كان المواطن يُطلب صوته كل خمس سنوات، فمن حقه أن يطلب الحساب طوال السنوات الخمس.

Loading

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
Translate »