سكاي ميضار ألطو.
– مُدَّ لي ما أَلُفّ به لُفافة حشيش..
قال له وهما جالسان على حقيبتيهما اليدويتين. حشْد من العمال يجلسون مثلهم على حافة الشارع الرئيسي.. يبدون من بعيد كسوق ماشية.. يزدحم بهم الرصيف الضيق، فيحتلون أكثر من نصف الشارع..
– عندك سيجارة..؟
– لا شيء أملكه الآن..
بدويون يسوقون سيارات رباعية الدفع.. بعض الراجلين يجوبون الشارع من أدناه إلى أقصاه؛ كما الساعون بين الصفا والمروة.. الأزقة موحلة.. رذاذ خفيف يزيدها وحلا..
– وماذا عندك..؟
– ……………..
عجائز، يملأ البؤس أخاديد تجاعيدهن، يبعن الثوم والليمون والنعنع والبيض البلدي وبعض البقول. لباسهن ولكنتهن جبلية.. سأل أحد الغرباء إحداهن عن ثمن رزمة من “القزبر” وعن ثمن البيض:
– القزبر: أربعة دراهم.. البيض: درهمان لواحدة..
صفَّر وقطب جبينه..
– كثير جدا.. آشريفة..
قالت ببراءة:
– يا ولدي القزبر يأتينا من تاونات.. في هذه البلاد لا يزرعونه.. يزرعون “الكِيفَ” فقط..
ابتاع منها على مضض..
– قلت لك: ماذا عندك، إن لم تكن لديك لا سيجارة ولا حشيش..؟
– لا شيء في هذه الساعة..
حفيف أشجار جبل تيزيران تتناقله مويجات الرياح.. سيارات أجرة تلج المحطة وأخرى تغادرها.. منظمو الطاكسيات نادرا ما يصيحون: “بني رزين.. إساكن.. وزان.. شاون.. تطوان…” معلمان ومعلمة يسألون عن طاكسي وزان.. اقترب منهم منظم الطاكسيات “الكرطي” وقال بخبث:
– سائق الطاكسي يريد مئة درهم.. أنتم ترون الظروف..
تراءى لهم الناس ذئابا بشرية.. ركبوا دون جدال.. سبوا الكل في خيالهم.
– ماذا تفعل هنا إن لم يكن عندك شيء..؟؟
– ها أنذا، لذلك جئت، لأدبر أمر جيبي..
رائحة سمك مقلي و”بيصر” تفوح من مطعم عماروش وسليمان، ورائحة الموت تنبعث من البرد القارس الذي يطغى على البلدة.. عابرون يتصادمون كنمل.. يتبادلون التحايا الرتيبة.. وجالسون في المقاهي يرشفون أكواب القهوة والشاي.. يشرون الحشيش ويشترونها.. يدخنون الكيف والحشيش.. ينشقون السعوط.. يتبادلون الكلمات التافهة..
– ألف لفافة واحدة، ندخنها سويا..
جبلي يبتاع الخضر من متجر دون مساومة.. ست كيلوغرامات من الطماطم.. كيس من البطاطس.. كيس بلاستيكي كبير من الفلفل.. صندوق من البصل… همست في أذن رفيقي: ” لم كل هذا..؟! هل سيعيد بيعها، أم ماذا..؟!” هز كتفيه وزم شفتيه.. حدقت فيه.. يرتعش من البرد.. لا يطيق حراكا ككيس رمل.. أجابني صوت غريب، ربما كان يتجسس: “يا أخي عندنا كثير من العيال.. وكثير من العمال أيضا..”
أشعل اللفافة.. عب منها.. مدها لرفيقه.. برقت عيناه.. سحب منها نفسا بانتشاء.. فلاحون يتساومون مع عمال قدموا من نواحي سيدي قاسم:
– مئة درهم..
– لا.. لا.. الدنيا عامرة بالعمال.. ثمانون درهما..
– مأكل..؟؟ مبيت..؟؟
– كُل شيء موجود..
سائقان يقفان بسيارتيهما وسط الطريق.. طابور من السيارات خلفهما.. بيب..بييب.. بيييييييب.. يصافحه.. يعطيه “عينة”.. يتبادلان كلمات مشفرة، وينطلقان بعصبية كما في الأفلام الأمريكية..
– إيوا.. أعطني اللفافة.. تريد تدخينها وحدك..؟!
أعطاه اللفافة ببطء.. جسمه تراخى.. أمسكه الآخر ويداه ترتعشان كشيخ.. أطفال ببذلات مدرسية بيضاء وزرقاء ووردية يتدفقون كسيل عارم.. يسيرون بفوضوية.. يثرثرون.. يتلاومون.. يختلطون بالمارة.. تخيلتهم زيتا يطفو فوق الماء ولا يختلط به..
ربت على كتفيهما شاب ثلاثيني:
– أنتما.. أتبحثان عن عمل أم ماذا..؟
صحا من غفوتهما.. انتصبا واقفين:
– أي نعم.. نبحث عنه..
تساوموا.. تراضوا.. حملا حقيبتيهما.. صحباه نحو سيارته الرباعية الدفع الواقفة بشارع عنقود.. سائق طاكسي فتي يصيح بهزل ولا مبالاة قبالة صيدلية “بني خالد”:
– يالاه.. يالاه.. من أراد هبوط “بني أحمد”..
* جبل تقع في قلبه قرية باب برد بإقليم شفشاون، شمال المغرب.
![]()















