سكاي ميضار ألطو – الغربة-
سعيد القدوري.
كنت نهاية الأسبوع جالسا على ضفة نهر wupper هذا النهر الذي منح اسمه لمدينة Wuppertal المدينة التي أوتني قادما لها غريبا و منحتني ما فقدته في بلد من المفروض ان يمنحني كل شيئ .
جالسا ،ألاحظ إنسياب المياه بهدوء و فجأة جرفتني الذكريات إلى شمس ميضار الطو التي كانت تودّع الأفق بكل شغف، و تغمس قمم جبال “إغربان” في ذهبها الحزين، ثم تنسحب رويدًا تاركةً خلفها ستارًا أرجوانيًا يعانق قمة ” ثوزِّرين”. كنت أقف على شرفة وادي أغبار، أطلّ على أخاديده الملتوية، و تلك العين التي تحدث عنها الكبير و الصغير عين ” أغبار ” البهية و الطرق التي من حولها و التي حفظت وقع خطواتي الصغيرة وضحكاتي الطفولية، وتلك الأشجار العالية التي علّمتني كيف أرفرف كالعصفور الحرّ، قبل أن يضيق القفص وتنكسر الأجنحة.
ميضار الطو.. تلك البلدة التي سمعت أول بكائي، والتي سقت أحلامي بغيثها، وغنّت لي حين كان العالم صامتًا. كيف لي ألا أشتاق لترابها الذي حملني، ولهوائها الذي طهّرني، ولحنانها الذي لم تفهمه بقاع أخرى؟
كبرت و كبر الضيق هناك ، والحلم يختنق. الظلم صار كثيفًا، يمحو الألوان من وجوهنا، والرزق أضحى وهمًا نطارده فلا نصل.
حينها أدركت أن ما يدفعني إلى الرحيل لم يكن فقط البحث عن رغيف سيزيف، بل تلك النار في داخلي التي تأبى أن تعيش في الظل. كنت أريد أن أعبّر دون أن يُلطّخ صوتي حبرُ المخبر،
أن أقول الحق دون أن أخشى تقاريرهم السرّية،
أن أدافع عن البسطاء دون أن ترصدني أعين لا تعرف سوى الصمت والولاء.
أردت وطنًا لا تُجرَّم فيه الكلمة،
لا يُقمع فيه الحلم،
لا يتحوّل فيه النقد إلى تهمة.
كانت رغبتي في التنفّس أكبر من خوفي، ولهذا قررت أن أطير، أن أحمل أشواقي على ظهري وأرحل، مثل صقر جريح يحاول أن يلمّ شتاته ويصعد فوق الغيم، رغم الألم، رغم كل ما فَقَد.
“فإن فرّ من مخلبه طاح هالكًا… وإن ظلّ في مخلبه فهو آكله.”
تلك هي الغربة. إما أن تبتلعك، وإما أن تحوّلك إلى شيء آخر.. أصلب، أذكى، أكثر وعيًا بطعم الحياة. واخترت أن أقاوم، أن أُرمم أحلامي وأن أبحث عن وطنٍ يقدّر الكلمة، يحترم الصمت، ويؤمن أن الكرامة ليست رفاهية. وطنٌ لا يحوّل الإنسان إلى رقم، ولا الحلم إلى تهمة.
هنا في الغربة و في الليالي الطويلة، حين يخيّم الصقيع على wuppertal، أُغمض عيني وأعود إلى صورة ميضار الطو، أراها أمّي تناديني من بعيد، فأهمس للحنين: “لن أنساكِ.. ولكن لا تسأليني إن كنتُ سأعود.”
فالرجوع صار حكاية بعيدة، والبقاء صار امتحانًا مستمرًا. لكنّني لن أسمح للبرد أن يخمد ناري، ولا للغربة أن تسرق أملي.
أسير اليوم على أرض لا تشبهني، أحمل وطنًا في القلب، وأبني وطنًا لأطفالي في الواقع. قد أكون بعيدًا، لكن ميضار الطو تسكنني.. تسكن صوتي، ملامحي، وحتى لحظات صمتي. هي نبض لا ينقطع، وإن ابتعدتُ عنها ألف سنة.
لكنني أتعلم كل يوم كيف أكون غريبًا دون أن أفقد نفسي. أتعلم كيف أبني جسورًا بين ماضٍ لا يموت، وحاضرٍ لا ينتظر أحدًا. في الغربة، لا أحد يعرف قصتك، لا أحد يسأل عن ذكرياتك، عن طعم الشاي في مقهى موح في المساء، عن دندنات جمال أبضالس ذاك الانسان الخلوق عن صوت أمّك وهي توقظك لتناول السحور ، عن دكان دهار ن السوق الذي كنت تدين فيه بثمن الحلوى دون أن يسجّل عليك شيئًا.
هنا، تبدأ من الصفر. تصبح غريبًا حتى على نفسك، ثم تحاول أن تعيد تشكيلها. تتعلّم أن تصير أكثر صلابة، لكنك تدفع الثمن من قلبك. كل شيء يُكلف هنا: الوقت، الأمان، الانتماء، كل شيئ هنا بالمواعيد ،حتى إحتساء القهوة وحتى البكاء له موعد.
ورغم ذلك، حين أرى أطفالي يضحكون بلغة لا أتقنها كما يجب، أبتسم. أقول في داخلي: لقد ربحتهم وإن خسرت بعضًا مني. لم أرحل لأجلي فقط، بل لأجلهم، لأجل أن يحملوا وطنًا لا يُضطرهم للهروب منه، لأجل أن يكون لهم الحق في أن يختاروا. لعلّهم يومًا يعودون إلى ميضار الطو لا كلاجئين من الحنين، بل كأحرار عادوا حاملين شمسًا جديدة.
أعرف أنّ ميضار الطو تنتظرني في صمت، كما تنتظر الأمُّ طفلها الذي تأخّر عن العشاء. أعرف أنني إذا عدت يومًا، لن أجد البيوت كما كانت، و لن أجد أغبار كما كان و لا جمال جاري، بشوشا شاعرا كما كان ، ولن أسمع الأصوات نفسها، لكنّ الهواء سيعرفني، والسماء ستهمس لي: مرحبًا بك، يا من لم تغادرنا يومًا.
وإلى أن يحين ذلك اللقاء، سأظل أكتب، أتنفّس، وأحيا على تلك الشعلة التي تركتها هناك، في زقاق صغير، بين شجرة صبار قديمة، ونافذة كانت تُطلّ على الحلم.
آه ،لا اريد أن أعود عودتي الأخيرة لسيذي إخرف الذي يحتضن البعيد و القريب و الساكن الذي لم يغادر، بل اتمنى أن أعود زيارات متكررة لتفقد قطعة مني تركتها هناك تلك القطعة بلدتي و أنا حبيس ذكراها
![]()












