أجنا ن ميضار ألطو.
خلال المرحلة المتقدمة من حرب الجزائر، وتحديداً بين عامي 1959 و1960، ظهرت ظاهرة استثنائية في منطقة كاتينات (سطّارة حالياً) تمثّلت في مشاركة نساء جزائريات ضمن صفوف “الحَرْكة”، أي القوات المحلية المتعاونة مع الجيش الفرنسي. أُطلق على هؤلاء النسوة اسم “الحركيات”، كنسخة مؤنثة من مصطلح “الحركي” الذي كان يُستخدم للإشارة إلى المسلمين المحليين الذين قاتلوا إلى جانب الجيش الفرنسي في وحدات شبه عسكرية تُعرف باسم “الحَرْكات”.

في مجتمع كانت تحكمه التقاليد الأبوية الصارمة، برزت هذه الظاهرة باعتبارها خطوة غير مألوفة، لكنها حصلت في منطقة اتّسمت بنوع من الانفتاح النسبي. لم تواجه النساء هناك مقاومة شديدة في سعيهن نحو أدوار تتجاوز الأدوار التقليدية، فقد عُرض عليهن حمل السلاح والانخراط في الحياة العسكرية، وهي خطوة تحمل في طيّاتها دلالات اجتماعية وعسكرية وثقافية هامة.

بعد عملية انتقاء، خضعت بعض هؤلاء النساء لتدريبات عسكرية، ما مكّنهن من تنفيذ مهام متنوعة، من بينها عمليات اقتحام ومرافقة وحماية القوافل العسكرية الفرنسية. انخراطهن في هذا السياق لم يكن مجرد دعم لوجستي، بل مساهمة فعلية ومباشرة في العمليات القتالية، ما جعل دورهن فريداً مقارنة بمثيلاتهن في باقي مناطق الجزائر.
رغم أن هذا الانخراط العسكري كان في صفوف الجيش الاستعماري، فإنه يعكس في الوقت ذاته تحوّلاً اجتماعيًا في موقع المرأة الجزائرية، وإن كان في إطار ملتبس سياسياً وتاريخياً. فقد كانت هذه المشاركة سيفاً ذا حدين: فهي من جهة أداة لتمكين النساء من أدوار جديدة، لكنها من جهة أخرى تمت في سياق الخيانة كما وُصف من طرف جبهة التحرير الوطني وأنصارها، ما جعل هؤلاء النسوة عرضة للتهميش أو حتى الانتقام بعد الاستقلال.

في المحصلة، يُعدّ ظهور “الحركيات” في سطّارة حالة نادرة تستحق الدراسة المتأنية، لأنها تكشف عن التعقيدات التي رافقت مسألة الانتماء والهُوية والمشاركة النسائية خلال حرب التحرير الجزائرية.

![]()









