أجنا ميضار ألطو Skymidaralto.com
من أعلى القمم التي تعانق الغيوم، هناك الجبال تتهامس فيما بينها، تبدأ إفرني. تنحدر برفقٍ نحو السفوح، تتلوّى طرقها ومنعرجاتها كأفعى من صخرٍ تحرس المداشر المعلقة بين السماء والأرض. هناك، في تلك المنعرجات التي تطوي التضاريس وتكسر صمت الطبيعة، وُلدت جماعة تحمل اسمها كوسمٍ من الحكاية: جماعة إفرني. أرض تشبه القصيدة، قاسية الملامح دافئة القلب، تتنفس من بين الصخور و تعانق الرياح ، تجمع بين القمم والعزلة، بين الهدوء والمكابرة، وبين التهميش و الاقصاء و الأمل والانتظار الأزلي.
ومن بين تلك القرى المعلقة، و الاخرى الممتدة على سفوحها تنبع الحكاية التي نكتبها اليوم،حكاية جماعةٍ تحاول أن تمشي، لكن الطريق أمامها مليئة بالحفر، وأن تتكلم، لكن صوتها يضيع في دهاليز الصمت الإداري. جماعة إفرني: تلك الجماعة التي تشبه رواية عجيبة لم يُكمل كاتبها فصولها بعد، رواية فيها السياسة شعر، والإدارةُ انتظار، والمشاريعُ مجرد أحلام في سبات عميق.
في جماعة إفرني، تسير الأيام قافلتا بلا دليل، سفينتنا بلا ربان ،و يُحكى أن للجماعة رئيس شهد ولادتها القيصرية و منح لها إسما و قادها سنينا طوال. الرئيس تجاوز التسعين من عمره، رجلٌ نحترمه لعمره وتجربته ، لكنه اليوم كمن أثقلته السنون وداهمه المرض، فغدت قدرته على التسيير محدودة كما يضيق النَفَس في مساءٍ بارد. لم يكن ضعفه تقصيرا، بل حكمَ الزمن القاسي، ذلك الزمن الذي لا يرحم جسدا ولا ذاكرة. هو رجلٌ من زمنٍ كانت فيه الكلمة وعدا والشرف مسؤولية، لكن عجلة الحياة لم تنتظر أحدا، والجماعة وجدت نفسها كالسفينة التي بقيت بلا ربانٍ حاضرٍ يقودها وسط بحرٍ من الأوراق والملفات.
الرئيس أو القيصر لم يعد يقدر على التيتانيك ،فغدر السنين و المرض أرغماه على النزول من السفينة ، و ترك الابحار لبقية الطاقم.
النائب الأول: كان لهذا النائب الذي أخذ شارة الربان قبل الرحيل ،الفضل في تنقية الأجواء بين الساكنة و المجلس ،رجل ترك فلسفة تسيير جيدة إقترب منه أشد خصوم الجماعة ، و أعاد الثقة إلى الساكنة لكنه رحل و لم يعد حمل حقيبته وغادر بحثا عن حياةٍ أكثر استقرارا وكرامة ترك البلاد والعباد، وهاجر بحثا عن ماءٍ لا يُقطع وكهرباءٍ لا تُطفأ وكرامةٍ لا تُهدر ، ربما قال في نفسه:
سأترك هذا المركب لأمواجه، فقد تعبت من التجديف. هناك، في المهجر، يعيش على أمل أن يُصلح البعد ما لم يُصلحه القرب.كان خير خلف .
النائبان الثاني والثالث، إنها حكاية مغربية بامتياز في موقع القرار ، يُصوّتان ويُوقعان، كأن القدر اختارهما ليذكّر الناس بأن المناصب لا تحتاج دائمًا إلى الكفاءة، بل أحيانا إلى الحظ وحده، أو النفوذ . يروى عن أحدهم أنه يوقّع دون أن يقرأ، وعن الآخر أنه لا يفرّق بين المشروع و القرار و بين المسودة و الوسادة . ومع ذلك، يسيران بخطى واثقة فوق أرض لا يعرفان خريطتها.
يحاولان الإمساك بخيوط التسيير، لكن التسيير ليس مجرد حضور أو توقيع، بل فلسفة وفنّ موازنة بين القرار والتقدير، بين الممكن والمستحيل. يبدوان كمن يمشي في طريقٍ ضبابية لا تُرى معالمها، يجهدان في البقاء وسط بحرٍ من الملفات، لكن افتقارهما إلى خبايا الإدارة يجعل خطواتهما تتعثر عند أول موجة. يحاولان المساهمة، لكنّ بوصلة ، فيغدو المجلس بلا توازن، كراقصٍ فقد إيقاع الطبل،
النائب الرابع، رجل مثقفٌ متزن، يعرف أن الحكمة ليست في أن تقود كل سفينة، بل أن تعرف متى تتركها. يراقب المشهد من بعيد، كمن يقرأ روايةً يعرف نهايتها مسبقًا، يرى الجبل الجليدي يحدق بالتيتانيك بعيدا ،يقول في نفسه كما قال درويش:
في الصمت حكمة، وفي الحياد نجاة.
إذا من يسير الجماعة ؟
سمعت من صديقي الذي عاد من البلدة مؤخرا أن الجماعة اليوم في يد موظفٍ تقني مثابرٍ، رجلٍ يكدّ في صمت، يفتح الملفات ويغلقها، يكتب المراسلات ويرسلها، لعلّها تصل إلى من يسمع، لكنه يعلم في قرارة نفسه أن القرار بلا إرادة يظل حبرا على ورق.تقني يعوض كمشة من المنتخبين .
مشاريع الماء والطريق والمقر الإداري تكدّست كقصصٍ معلّقة في الهواء، لا تموت ولا تُولد.
مشروع الماء الصالح للشرب صار نكتة يتداولها الناس. والطريق الرابطة بين إرحد ميضار الأعلى وتفرسيت تحلم كل يومٍ بأن يُسكب فوقها الإسفلت، لكنها تستيقظ دائمًا على ترابها القديم و غبارها الخانق. والعجب، أن مقر الجماعة يوجد خارج ترابها! كأنها تحكم بالوكالة، وتدير شؤونها من منفى مجاور. صُرفت الملايين لبناء المقرّ الجديد، لكنه بقي ينتظر و ما زال ينتظر .
مقر القيادة إنتهت الأشغال و الجدران في إنتظار الفرج .
في المقاهي، صارت أخبار المجلس نكهة الشاي، يقول أحدهم و هو يحتسي كوب شاي عند موح : الجماعة بحال الرحى، تدور بلا طحين.
و في مقهى رشيد قال آخر ساخرًا: الرئيس مريض، الله يشافيه، والباقي راهم مفقودين في التسيير.
و يرد ثالثهم: الجماعة ديالنا بحال زيتونة بلا زيت .
الناس هناك لم يعودوا يغضبون، صاروا يضحكون بمرارةٍ، لأنهم أدركوا أن الغضب لا يُعبد طريقا ولا يُوصل ماء.و لا يفتح مقر جماعة و لا يؤتيهم بالقائد .
كل شيئ مؤجل الى أجل غير مسمى.
جماعة إفرني اليوم ليست ميتة، لكنها تعيش غيبوبة التسيير، تتنفس على أجهزة البيروقراطية، وتنتظر من يوقظها من سباتها الطويل. لا تحتاج إلى معجزة، بل إلى ضميرٍ حيّ إلى إرادة سياسية ،إلى ترشيد النفقات إلى وجوهٍ جديدةٍ تعرف أن التنمية ليست شعارا يُرفع، بل خبز وماء وطريق.
لكِ الله يا جماعة إفرني: جغرافية يتناوب عليها الصمت والأمل، مسرح صغير تُعرض فيه كل يومٍ مسرحية عنوانها: الكرسي باقٍ، والفاعل غائب.
سعيد. ق
![]()













