skymidaralto.com
المغرب خلال السنوات الأخيرة يشهد تحولا استراتيجيا في سياسته الطاقية، مدفوعا بتحديات بنيوية أبرزها الاعتماد الكبير على استيراد الطاقة الأحفورية، والتقلبات في الأسواق الدولية، إضافة إلى التزاماته البيئية ضمن الجهود العالمية لمكافحة التغير المناخي. وفي هذا السياق، بدأ خيار الطاقة النووية يبرز كأحد المسارات التي يدرسها المغرب لتعزيز مزيجه الطاقي على المدى المتوسط والبعيد، دون أن يكون ذلك على حساب الاستثمارات الكبيرة التي قام بها في مجال الطاقات المتجددة.
من الناحية الواقعية، لا يمتلك المغرب حتى الآن أي محطة نووية لإنتاج الكهرباء، إلا أنه راكم خبرة أولية في المجال النووي المدني من خلال تشغيل مفاعل بحثي من نوع TRIGA في مركز المعمورة، والذي يُستخدم لأغراض علمية وطبية وصناعية. هذا التوجه يندرج ضمن سياسة تدريجية تهدف إلى بناء القدرات البشرية والتقنية، بدل الانتقال المباشر إلى مشاريع إنتاج الطاقة، وهو ما يعكس حذرا مؤسساتيا في التعامل مع قطاع حساس ومعقد مثل الطاقة النووية. كما أن المغرب يعمل تحت إشراف وتعاون وثيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي توفر الدعم التقني وتؤطر المعايير المتعلقة بالسلامة والأمن النووي.
الدوافع التي تحفّز المغرب على دراسة خيار الطاقة النووية متعددة ومترابطة. أولها يتعلق بالأمن الطاقي، إذ يستورد المغرب أكثر من 90% من حاجياته من الطاقة، ما يجعله عرضة لتقلبات الأسعار والأزمات الجيوسياسية. في هذا الإطار، تمثل الطاقة النووية مصدرا مستقرا وقابلا للتخطيط طويل الأمد، مقارنة بالطاقة الشمسية والريحية التي، رغم تطورها الكبير في المغرب، تظل مرتبطة بعوامل طبيعية متغيرة. ثانيا، يسعى المغرب إلى تحقيق توازن في مزيجه الطاقي، حيث يطمح إلى بلوغ نسبة تفوق 52% من الطاقات المتجددة بحلول 2030، لكن هذا الهدف يتطلب مصادر طاقة داعمة قادرة على ضمان استمرارية التزويد بالكهرباء، وهو الدور الذي يمكن أن تلعبه الطاقة النووية.
إضافة إلى ذلك، يندرج الاهتمام بالطاقة النووية ضمن التزامات المغرب الدولية للحد من انبعاثات الكربون، حيث تُعتبر الطاقة النووية من بين المصادر منخفضة الانبعاثات. كما يفتح هذا التوجه آفاقا اقتصادية وصناعية جديدة، مثل استخدام الطاقة النووية في تحلية مياه البحر، وهي قضية استراتيجية في ظل الإجهاد المائي الذي تعرفه البلاد، فضلا عن إمكانية إنتاج الهيدروجين الأخضر وتطوير التطبيقات الطبية والصناعية المرتبطة بالتكنولوجيا النووية.
على مستوى التعاون الدولي، اعتمد المغرب مقاربة براغماتية تقوم على تنويع الشراكات، حيث أبرم اتفاقيات مع دول مثل فرنسا وروسيا لتبادل الخبرات ونقل التكنولوجيا، إلى جانب حضوره المنتظم في المنتديات الدولية الخاصة بالطاقة النووية. هذا الانفتاح يعكس رغبة في الاستفادة من التجارب العالمية مع الحفاظ على سيادة القرار الوطني في ما يتعلق بتبني أو تأجيل المشاريع النووية.
مع ذلك، لا يزال مشروع إدخال الطاقة النووية في المغرب في مرحلة الدراسات الأولية والتقييم الاستراتيجي، حيث يتم تحليل الجوانب التقنية والاقتصادية والبيئية بعناية. وتشير التقديرات إلى أن أي مشروع نووي لإنتاج الكهرباء يتطلب استثمارات ضخمة وفترة زمنية طويلة قد تتجاوز عشر سنوات، ما يفرض على صانعي القرار موازنة دقيقة بين الكلفة والعائد، خاصة في ظل الانخفاض المستمر في تكلفة الطاقات المتجددة.
المغرب لا يسعى إلى تبني الطاقة النووية كبديل فوري، بل كخيار استراتيجي محتمل ضمن رؤية شاملة تهدف إلى تحقيق السيادة الطاقية، وتعزيز الاستدامة، وضمان استقرار الإمدادات. وبين الطموح والواقع، يبقى القرار النهائي مرتبطا بتطور المعطيات الاقتصادية والتكنولوجية خلال السنوات القادمة، ما يجعل الملف النووي في المغرب مفتوحا على جميع السيناريوهات، لكنه يتحرك بخطوات محسوبة بعيدًا عن أي اندفاع غير مدروس.
![]()















