skymidaralto.com
يُعدّ موقع Rirha (ريغا) واحدا من أبرز الاكتشافات الأثرية الحديثة في المغرب، ليس فقط بسبب غنى معالمه، بل لأنه يفرض إعادة النظر في كثير من المسلّمات المرتبطة بتاريخ المنطقة. يقع هذا الموقع في سهل الغرب، بالقرب من وادي بهت وعلى مقربة من مدينة سيدي سليمان، وهو موقع اختير بعناية منذ العصور القديمة نظرا لخصوبة أراضيه وقربه من الموارد المائية، ما جعله بيئة مثالية للاستقرار البشري المبكر.
بدأت أعمال التنقيب الأثري الحديثة في ريغا منذ سنة 2004 في إطار مشروع علمي دولي يجمع بين مؤسسات مغربية وأوروبية، من بينها المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث والمركز الوطني للبحث العلمي (CNRS) وجامعة باريس 1 بانتيون-سوربون، بمشاركة باحثين بارزين مثل يوسف بوكبوط ولوران كالفات. وقد مكّن هذا التعاون من اعتماد مقاربات علمية حديثة في التنقيب والتحليل، مما أسفر عن نتائج ذات قيمة كبيرة على المستويين الوطني والدولي.
تكمن الأهمية الكبرى لموقع ريغا في كونه يعكس استمرارية حضارية تمتد من القرن الخامس قبل الميلاد إلى الفترة الرومانية، حيث كشفت الحفريات عن طبقات أثرية متعاقبة توثق لمرحلتين أساسيتين: مرحلة مورية (أمازيغية) قديمة، وأخرى رومانية لاحقة. خلال المرحلة الأولى، عُثر على بقايا مبانٍ مشيّدة بالطوب الخام، تدل على وجود نمط استقرار مستقر ومنظم، ما ينفي التصورات القديمة التي كانت تختزل المجتمعات الأمازيغية في البداوة أو الهامشية. أما في المرحلة الرومانية، فقد شهد الموقع تحوّلا حضريا ملحوظا، حيث تم اكتشاف منشآت معمارية متقدمة مثل المنازل ذات الأعمدة، والحمامات العمومية المزودة بأنظمة تسخين معقدة، إضافة إلى منشآت إنتاجية، خاصة تلك المرتبطة بصناعة النبيذ.
تكشف هذه المعطيات عن تحول ريغا من تجمع محلي أمازيغي إلى مدينة ذات طابع روماني-أمازيغي مشترك، وهو ما يعكس دينامية التفاعل الثقافي والحضاري بدل فكرة الهيمنة الأحادية. فبدل النظر إلى الوجود الروماني باعتباره قطيعة مع الماضي المحلي، تُظهر الأدلة الأثرية في ريغا نوعا من الاستمرارية والتكيف، حيث احتفظت البنية المحلية بجزء من خصوصيتها مع استيعاب عناصر جديدة من التنظيم الروماني.
من الناحية العلمية، يكتسي هذا الموقع أهمية خاصة لأنه يساهم في إعادة توجيه البحث الأثري في المغرب، الذي ظل لفترة طويلة متمركزا حول مواقع كبرى مثل Volubilis، إذ يقدم ريغا نموذجا مكمّلا وربما أقدم في بعض مراحله، مما يفتح آفاقًا جديدة لفهم تطور المدن القديمة في شمال إفريقيا. كما يسمح بدراسة أعمق لآليات الانتقال من أنماط العيش المحلية إلى أنماط حضرية مرتبطة بالعالم المتوسطي.
أما من حيث البعد الأمازيغي، فإن ريغا يمثل دليلا ماديا قويا على عمق الجذور الحضارية للأمازيغ في المنطقة، ويعيد الاعتبار لدورهم في بناء أنظمة استقرار معقدة قبل وصول الرومان. كما يساهم في تفكيك بعض السرديات التاريخية التي بالغت في إبراز الدور الروماني على حساب المكونات المحلية، ليبرز بدل ذلك نموذجا أكثر توازنا يقوم على التفاعل والتلاقح الثقافي.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن اعتبار الموقع الأثري ريغا فضاء علميا مفتوحا يعيد تشكيل فهمنا لتاريخ المغرب القديم، ويطرح أسئلة جديدة حول الهوية، والتفاعل الحضاري، ومسارات التطور الاجتماعي في المنطقة. ومع استمرار الأبحاث والتنقيبات، يُتوقع أن يكشف هذا الموقع عن معطيات إضافية قد تعزز مكانته كأحد أهم المراكز الأثرية في شمال إفريقيا، سواء من حيث قيمته العلمية أو إمكاناته الثقافية والتنموية.
![]()















