ⴰⵊⴰⵏⵏⴰ ⵎⵉⴹⴰⵔ ⵓⴼⴰⵍⴰ ( أجنا ميضار ألطو)
في حوارٍ حديث، قدَّم المؤرخ المغربي امحمد جبرون رؤيةً نقديةً لوضعية الأمازيغية في المغرب، معتبراً أن خطاب الحركة الأمازيغية يوصف بـ”الأصولي” لارتباطه بسرديات تاريخية يرى أنها متجاوزة علمياً. هذه الأطروحات تفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى توافق الخطاب الأمازيغي مع الحقائق التاريخية، وإمكانية تحوُّله إلى قضية مجتمعية تهم كل المغاربة. فما هي أبرز ملامح هذه الرؤية؟ وما مدى إمكانية اعتبارها مرجعيةً لتجاوز الاستقطاب الهوياتي؟
الأمازيغية بين الأصولية الثقافية والواقع التاريخي.
يرى جبرون أن جزءاً من الخطاب الأمازيغي المعاصر يكرر مقولات “الجيل المؤسس” للحركة، والتي تُصَنَّف –بحسبه– كأطروحات أصولية تتعارض مع المنهج العلمي. ومن أبرز هذه المقولات: اختزال تاريخ المغرب في الصراع بين “الأمازيغ الأصليين” و”العرب الغزاة”، واعتبار تيفيناغ حصراً للهوية الأمازيغية، ونفي التداخل بين المكونات الثقافية للمغرب.
هنا، يبرز سؤالٌ جوهري: هل يعكس هذا الطرح رفضاً للتعقيد التاريخي؟ يوضح جبرون أن الأمازيغ –كما يظهر في المصادر القديمة– ليسوا جماعةً عرقيةً نقية، بل هم خليطٌ من الموريين، والإيبيريين، والفينيقيين، والعرب، وغيرهم. وبالتالي، فإن اختزال الهوية في عرقٍ أو لغةٍ يُغَيِّب طبيعة المغرب التعددية التي شكَّلت هويته عبر القرون.
تيفيناغ وإشكالية الكتابة: تعصبٌ أم استعادةٌ للتراث؟
من النقاط المثيرة للجدل في أطروحات جبرون نقده لاختيار حرف تيفيناغ لكتابة الأمازيغية، معتبراً إياه “حرفاً متجاوزاً” ينتمي لسياقٍ تاريخيٍ قديم، ولا يتماشى مع طبيعة اللغة الشفاهية التي لم تُستخدم في الإدارة أو العلم عبر التاريخ.
هذا الرأي يلامس إشكاليةً أوسع: هل يعيق تيفيناغ تعميم الأمازيغية؟ يُجادل البعض بأن الاختيار يعكس رغبةً في استعادة رمزيةٍ تراثية، بينما يرى آخرون –كجبرون– أنه يضفي طابعاً نخبوياً على القضية، ويصعّب انتشارها بين عامة المغاربة المعتادين على الحرف العربي أو اللاتيني. لكن هل يمكن فصل الجدل حول الحرف عن السياق السياسي الراهن، الذي قد يرى في تيفيناغ رمزاً لمقاومة الهيمنة الثقافية؟
الدولة والأمازيغية: إجراءات سياسية أم خطابٌ مجتمعي؟
يشير جبرون إلى أن إجراءات الدولة لتعميم تدريس الأمازيغية –رغم كونها “مفهومة سياسياً”– تتعارض مع السياق التاريخي الذي تبنَّى فيه المغاربة العربية كلغةٍ للعلم والدين دون صراعٍ هوياتي. هنا، يلفت الانتباه إلى ثنائيةٍ جوهرية: هل تُختَزَل الأمازيغية في مشروعٍ نخبويٍ معادٍ للعربية والإسلام، أم يمكن تحويلها إلى جزءٍ من الهوية الجامعة؟
اللافت أن جبرون يربط فشل تحويل الأمازيغية لشأنٍ مجتمعيٍ بمعاداتها للعربية والإسلام، مُطالباً الحركة الأمازيغية ببناء شرعيتها بعيداً عن هذا الصراع. لكن هل يُعَدُّ هذا الطرح واقعياً في ظل سياقٍ إقليميٍ تشهد فيه الهويات الفرعية صعوداً على حساب الهويات الجامعة؟
لا تنفي أطروحات جبرون أهمية الحفاظ على الأمازيغية، لكنها تُحذِّر من تحويلها إلى أيديولوجيا تُعيد إنتاج خطابٍ استبعاديٍ مشابهٍ للخطاب الذي تنتقده. السؤال الذي يبقى معلقاً: هل يمكن تجاوز الاستقطاب عبر اعتماد مقاربةٍ تاريخيةٍ تعترف بالتعدد دون اختزال الهوية في مكونٍ واحد؟
يرى إذا أمحمد جبرون أن تحويل الأمازيغية إلى قضية مجتمعية يتطلب فكَّ ارتباطها بالصراع الهوياتي، ودمجها في مشروعٍ ثقافيٍ يعترف بالتنوع كسِمةٍ تأسيسية للمغرب، دون إغفال دور العربية كلغةٍ حاضنةٍ للتاريخ المشترك. فالهوية –في النهاية– ليست معادلةً صفرية، بل فسيفساءٌ تَثْرَى بتناقضاتها.
![]()















