سكاي ميضار ألطو :
في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل هذا العام، تمضي حكومة بارت دي ويفر في تنفيذ إصلاحات واسعة لنظام التقاعد في بلجيكا، معتبرة أن المنظومة الحالية لم تعد قادرة على الصمود أمام ارتفاع أعداد المتقاعدين وتزايد كلفة الشيخوخة والضغوط المتنامية على الميزانية العامة.
الحكومة تقدم هذه الإصلاحات باعتبارها خطوة ضرورية لإنقاذ نظام التقاعد وضمان استمراريته للأجيال المقبلة، بينما ترى النقابات والمعارضة أنها تمثل مساساً بحقوق العمال وتراجعاً عن مكاسب اجتماعية تاريخية.
ويرتكز المشروع الحكومي على تشديد شروط التقاعد المبكر، بحيث يصبح الخروج من سوق العمل في سن مبكرة أكثر صعوبة،مع اعتماد نظام “المكافأة والعقوبة” الذي يمنح امتيازات لمن يواصل العمل بعد السن القانونية، وفي المقابل يفرض اقتطاعات على من يختار التقاعد المبكر دون استيفاء سنوات العمل المطلوبة. وتقول الحكومة إن هذه الإجراءات ستشجع على تمديد الحياة المهنية وتخفف العبء المالي عن الدولة، خاصة مع توقعات بارتفاع تكاليف التقاعد خلال العقود المقبلة. كما يتضمن الإصلاح مراجعة بعض الامتيازات الخاصة، وتقليص احتساب بعض فترات الانقطاع عن العمل في حساب المعاشات، وربط قيمة التقاعد بشكل أكبر بعدد سنوات العمل الفعلية والمساهمات المدفوعة، وهو ما تعتبره الحكومة انتقالاً نحو نظام أكثر عدالة واستدامة.
غير أن هذه التوجهات فجرت موجة انتقادات حادة، إذ ترى النقابات أن الإصلاح يعاقب أصحاب المهن الشاقة، ويجبر البلجيكيين على العمل لسنوات أطول مقابل معاشات قد تكون أقل، محذرة من اتساع الفوارق الاجتماعية وارتفاع مخاطر الفقر بين المتقاعدين مستقبلاً.
كما يشير منتقدو الخطة إلى أن الإصلاح ينقل فلسفة التقاعد من منطق الحماية الاجتماعية إلى منطق الحسابات المالية البحتة، وهو ما يهدد نموذج دولة الرفاه البلجيكية. سياسياً، يمثل هذا الملف اختباراً حقيقياً لحكومة دي ويفر التي تراهن على الإصلاح كجزء من مشروع أوسع لإعادة هيكلة الدولة وتقليص العجز، بينما تستخدمه المعارضة كعنوان لمواجهة الخيارات الليبرالية للحكومة. وبين دفاع رسمي عن “إصلاح لا مفر منه” وتحذيرات من “تقشف اجتماعي مقنّع”، يبقى مستقبل نظام التقاعد في بلجيكا معلقاً بين ضرورات الاقتصاد وضغوط الشارع.
ومع استمرار الجدل، يظل السؤال المركزي مطروحاً: هل تنجح هذه الإصلاحات في إنقاذ نظام التقاعد البلجيكي أم أنها ستفتح الباب أمام أزمة اجتماعية أعمق في السنوات المقبلة؟
![]()
















