حين ينتصر المنتخب، ينتصر شيء في داخلنا

Admin Sa.Elساعتين agoLast Update :
حين ينتصر المنتخب، ينتصر شيء في داخلنا

skymidaralto.com

لم تكن مباراة الأمس بين المغرب وكندا مجرد تسعين دقيقة من كرة القدم بالنسبة إلي. كنت أجلس في مقهى يملكه أحد أبناء الريف بمدينة فوبرتال الألمانية، محاطا بأصدقاء مغاربة قدموا من مدن وجهات مختلفة من المملكة. بعضهم يقيم في ألمانيا منذ سنوات طويلة، وبعضهم حديثو الهجرة، وبينهم من يحمل الجنسية الألمانية إلى جانب المغربية. قبل انطلاق المباراة و أنا أحدق في هؤلاء سافر ذهني إلى بلدتنا و استحظر ؛ الغلاء، و صعوبة الحياة، و السياسة، و الهجرة، و التفاوت بين الجهات، و الإحساس الذي يلازم كثيرا من المغاربة بأن التنمية لم تصل الجميع بالقدر نفسه.

لكن ما إن أعلن الحكم بداية اللقاء حتى اختفت كل تلك المواضيع، وبقي موضوع واحد فقط: المنتخب المغربي.

حينها طرحت على نفسي سؤالا ظل يرافقني طوال المباراة: كيف يمكن لشعب يختلف في كل شيء تقريبا أن يتوحد بهذه القوة خلف أحد عشر لاعبا؟ وكيف يمكن لمواطن ينتقد السياسات العمومية، ويطالب بالإصلاح، وربما يشعر بأنه لم ينل نصيبه من العدالة الاجتماعية او التنمية، أن يتحول فجأة إلى أكثر الناس دفاعا عن راية بلده؟

يبدو أن الجواب لا علاقة له بكرة القدم وحدها، بل بما تمثله هذه الكرة من معان أعمق. فالمغاربة، في تقديري، يفرقون بفطرتهم بين الدولة باعتبارها مؤسسات وسياسات قابلة للنقد، وبين الوطن باعتباره هوية وانتماء وذاكرة جماعية. قد نختلف حول تدبير الشأن العام، وقد نعارض قرارات أو سياسات، لكننا لا نختلف حول معنى أن يكون المغرب حاضرا بين الأمم، وأن ترفرف رايته في المحافل الدولية. لذلك لا يشعر كثير من المغاربة بأي تناقض بين المطالبة بالتغيير وبين تشجيع المنتخب الوطني، لأنهم يعتبرون أن الفريق يمثل الوطن أكثر مما يمثل السلطة.

وأنا أتأمل وجوه الحاضرين في المقهى، لفت انتباهي أن أغلبهم غادر المغرب بحثا عن حياة أفضل. كثيرون وجدوا في ألمانيا ما كانوا يفتقدونه؛ فرصا للعمل، واحتراما للقانون، وخدمات اجتماعية وتعليمية وصحية، واستقرارا اقتصاديا. ومع ذلك، لم يخطر ببال أحد أن يشجع المنتخب الكندي أو أي منتخب آخر. بل كان الجميع ينتظر هدفا مغربيا، ويقفز فرحا بكل هجمة، وكأن المسافة بين فوبرتال والمغرب قد اختفت تماما.

وهنا يتأكد أن الهوية ليست وثيقة إدارية ولا مجرد جنسية. فالإنسان قد يكتسب جنسية جديدة، لكنه لا يبدل بسهولة ذاكرته الأولى، ولا لغته الأم، ولا طفولته، ولا تفاصيل المكان الذي تشكل فيه وجدانه. لذلك يشعر المغربي في المهجر بالامتنان لبلد الإقامة، لكنه يحتفظ بولائه العاطفي لوطنه الأصلي، لأن الانتماء لا يُقاس بما نحصل عليه من حقوق فقط، بل بما يسكن في أعماقنا من ذكريات ورموز ومشاعر.

ومن زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل أن المنتخب الوطني أصبح بالنسبة إلى ملايين المغاربة مساحة نادرة للأمل الجماعي. ففي واقع يطغى عليه الإحساس بالإحباط بسبب البطالة، وغلاء المعيشة، والفوارق الاجتماعية، والتفاوت المجالي، يصبح الانتصار الرياضي تعويضا نفسيا ورمزيا. إنه لحظة يشعر فيها المواطن بأن بلده قادر على منافسة الكبار، وأن اسم المغرب يُذكر بإعجاب واحترام. لذلك فإن الفرح لا يكون فرحا بهدف فقط، بل فرحا بصورة جماعية مشرقة نادرا ما تمنحها السياسة أو الاقتصاد أو الحياة اليومية.

ولعل أكثر ما يثير التفكير هو أن المغاربة يأتون من جهات تختلف في مستويات التنمية بشكل واضح. هناك مناطق استقطبت الاستثمار والصناعة والبنية التحتية، بينما ما تزال مناطق أخرى تعاني ضعف الخدمات وفرص الشغل، ويشعر سكانها بأنهم أقرب إلى أن يكونوا مصدرا للموارد البشرية أو سوقا للاستهلاك أكثر من كونهم شركاء في التنمية. ورغم هذا التفاوت، فإن الجميع يرفع العلم نفسه ويهتف بالاسم نفسه. وكأن المنتخب ينجح، ولو لساعات، في إزالة الحدود غير المرئية التي صنعتها السياسات الاقتصادية والاجتماعية بين جهات البلاد.

وربما لهذا السبب أيضا تكون خيبة الأمل قاسية عند كل انتكاسة للمنتخب. قد يبدو الأمر غريبا؛ فنحن نعيش انتكاسات أكبر في حياتنا اليومية، ومع ذلك نحزن بشدة لخسارة مباراة. لكن الحقيقة أن المنتخب يحمل فوق كتفيه أحلاما أكبر من كرة القدم. إنه يمثل لحظة نادرة ننسى فيها همومنا، ونشعر خلالها بأننا قادرون على الانتصار. وعندما يخسر، لا نخسر مباراة فقط، بل نخسر تلك المساحة الصغيرة التي كنا نهرب إليها من واقع مليء بالإخفاقات.

خرجت من المقهى بعد نهاية المباراة و ودعت عثمان،سعيد و محمد و ريان . وأنا أكثر اقتناعا بأن المنتخب المغربي لم يعد مجرد فريق رياضي، بل أصبح ظاهرة اجتماعية تعكس عمق العلاقة بين المهجرين ووطنهم. قد يختلفون في السياسة، وفي تقييم الأوضاع، وفي رؤيتهم للمستقبل، لكنهم يلتقون عند لحظة واحدة؛ لحظة وقوف اللاعبين ورفع الراية المغربية. هناك تتراجع كل الانقسامات، ويعود الجميع إلى كلمة واحدة: نحن.

وربما في هذه الكلمة يكمن السر كله. فحب الوطن ليس إعلانا عن الرضا الكامل بما يجري داخله، كما أن المطالبة بالإصلاح ليست دليلا على ضعف الانتماء. على العكس، قد يكون أكثر الناس نقدا لوضع بلده هم أكثرهم تعلقا به، لأنهم يريدونه وطنا يتسع للجميع، تتوزع فيه التنمية بعدل، وتُصان فيه الكرامة والحقوق، ويشعر فيه كل مواطن، من طنجة إلى أقصى الجنوب، ومن الريف إلى الأطلس والجنوب الشرقي، بأنه شريك كامل في هذا الوطن، لا مجرد متفرج على إنجازاته.

ولعل هذا ما يجعل المنتخب المغربي قادرا، في كل مرة، على جمع ما فرقته السياسة، وعلى إحياء شعور الانتماء الذي لا تستطيع الخلافات، مهما اشتدت، أن تنتزعه من قلوب المغاربة.

سعيد القدوري.

 

Loading

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
Translate »