- هذا الليل الذي تتشكل تباشيره وقسماته قدام عيني يصطادني. السافل يغريني. يسوقني بخبث وغنج إلى الجلوس في مقهى عمي الموح. قدماي تجراني نحو عتبة الباب. أنا أجر الحبل وهي تجر. كلانا لا يريد أن يستسلم. أرخي لجامي برهة. أنتبه. أجره ثانية. سافل هذا الليل، وسافلة قدماي!! أتحسس جيوبي. أبله أنا أم ساذج؟ جيوبي خاوية كمقهى عبد القادر الذي لا يرتاده أحد..
هذه الليلة وقدماي ونزواتي لن يتركوا ليلتي تمضي هادئة كما ليالي الفائتة. أبصق حوالي. أتبول على كل ما يخطر ببالي في خيالي. أستشير عقلي بصيغة الآمر: “لأترك حبلي على الغارب هذه الليلة، وَلِّي لِيهَا لِيهَا.” عقلي اللعين لا يلين. عصي، جلد، رأسه صلب! يجادلني. يريد أن يتفلسف علي، ويستعرض علي قيمه، وأنا لا طاقة لي على تفلسفه. أخاطبه الآن مستعطفا: “توكل على الله وتقدم. الفيلم الهندي رائع. والسخونة تغري بالداخل يا صاحبي.” الخارج يتساقط فيه البرد كما الندى. السماء ترسله سهاما وحبالا تكبلنا.
أرافق قدميّ غصبا عنه. أتحسس عتبة باب المقهى. نصف الباب مشرع، والنصف الآخر نصف موارب. ألتفت يسرة فيمنة. الترقب والحذر أمران يفرضهما التعقل. أقرأ قسمات وجوه الجالسين. لا ذئب يقبع بينهم. كلهم نعاج. الذئاب هم الذين يشون بي ويوصلون أخباري حتى آذان والدي! عمي موح غمزته بعيني اليمنى. يفهني الدرويش. ينسى وجودي. الآخرون يطردون أمثالي. هم على حق؛ الصغار يملأون الكراسي فقط.
سحائب دخان الكيف والحشيش والتبغ تعانقها جنبات المقهى. تسبح كسمات موسى. تغازل أنوف الجالسين وتلامس رقابهم بعهر. تغرقهم في متاهات الكره والنسيان. العربي يعانق “سَبْسِيّا” طويلا بكلتا يديه. يعمر “شَقْفَهُ”. يشعله ببطء قاتل. يعب منه باحترافية عالية. يمده لأحمد؛ أب عبد المجيد الذي يضربه معلم الفرنسية كل صباح. غبي وكسول. حتى أنا كسول، لكنني لست غبيا مثله! أسحب كرسيا بهدوء مشبوه. البرد ينبعث من الكرسي الخشبي ويتسلل كلص إلى عظامي الفتية. الآخرون يضعون ورقا مقوى تحت أستاتهم ليمنعوا تسرب البرودة إليها. لكن، هل سأطلب من عمي الموح أن يمدني بشيء أضعه تحت أستي؟! سيطردني. وسيندم على سماحي بالدخول إلى مقهاه، ولن يكرر هذه الحماقة ثانية. هذه هي الدنيا؛ الصغير يشبع دوسا ورفسا. الصغير يسحق، والسمين يعلف ليزداد سمنة.
أحدق في التلفاز المنتصب كامبراطور. عيناي الناعستان لا تفارقانه، أنا محشش. أكاد لا أرمش. أقضم الفيلم الهندي بانتشاء. آكله على مهل، لكنني أرقص وجلا؛ إذا ولج والدي المقهى سيضربني على مرأى هذه النعاج. سيشبعون فرجة وقهقهة. لا أحد منهم سيحرك ساكنا، حتى عمي موح سيتصرف كمن لم ير شيئا. عيناي تنهشان الفيلم، وبالي مسافر. شارد أنا كرجل ينتظر خبزَه فيلق من الماكينات البشرية. أخطط للتسلل إلى الخارج في حالة دخوله. لا أهتدي إلى خطة. أظل وجلا أكثر.
عقب السيجارة الذي رماه سعيد ولد “مَنَّانَة” الآن أتخيله بين شفتي. أسحب منه نفسا بانتشاء. أحبس الدخان داخل جوفي، أتمنى أن لا أُخرج منه شيئا، لكنني أخرج بعضه. هيا يا رُشْدِي. خُذْه. خُذْه قبل أن تنطفئ شرارته. خُذْه، ما زال طريا، حلوا، عذبا. لكن عقلي يقول لي: “ستراك نعجة من هذه النعاج فيسبقك الخبر إلى البيت.” عقلي يذكرني بين الفينة والأخرى، وينصحني. أكبح رغبتي. العقب يحتضر أمام ناظري. النعمة تموت وأنا أموت قبالتها! آخُذُه؟ لا آخُذُه؟ خُذْه. خُذْه. يقول لي صوت من أعماقي: لا تَأْخُذه، تلك النعجة التي تلعب الورق في الركن ستراك ولن تخبر والدك، بل ستخبر زوجها، وهذه كفيلة بأن تتم المهمة!! هذه النعاج صارت ذئابا!! هذا أمر كائن. العقب يموت، ويزيده موتا أحد الرواد الذي عفس عليه بقدمه. أعود إلى شاروخان. يُطربني بأغنيته. هو يرقص رفقة حبيبته، وأنا أرقص وجلا. أشرد لحظة. أسحب عيني اليمنى. أسرق نظرة إلى مدخل المقهى. يا لطيف، إنه محند حمو. إن رآني ستكون تلك نهايتي. يا ليته ينسى الخروب الذي سرقته من فدانه السنة الماضية. يدلف المقهى وكأنه عارف حكيم. يأخذ لنفسه مكانا بجانب حسين ويوسف وامحمذ وعبد الناصر الذين يلعبون جولة من الورق. تدب الحركة في ثانية، لكنني لا آتمن شر محند حمو. هو ليس بنعجة ولن يكون كذلك. إنه ضبع، ثعلب، ذئب.
أعود إلى شاروخانِي. أستعذب اللحظات رفقته. أستغل قدر ما أستطيع من الدقائق والثواني. عمي موح يُنزل كأس شاي أخضر بجانب عبد القادر الذي يلعب النرد ضد عبد الرحمن السكير. أحمدُ اللهَ أنه اليوم صاح. حين يكون سكرانا فلا أنا أتفرج الفيلم ولا الكهول يلعبون نَرْدَهم وورقهم. لكن رائحة “الرُّوج” تنبعث من فيه، وتصل إلى خياشيمي مختلطة برائحة الشاي؛ لم يشرب كثيرا، بل تنغم فقط!! يغريني كأس الشاي. يتحرش بي. ألتفت حوالي. أتردد. أتأرجح. أرشف من الكأس خلسة دون أن يلحظني أحد؟ لكنني خائف وجل. مم تخاف أيتها النعجة ذات الأذنين المتدليتين؟ أُرشفْ، وكن خفيفا كما السنونو. أدنو بحذر إلى الكأس. فمي يزحف على بطنه. يسيل اللعاب منه. لساني يتدلى ككلبة عجوز تلهث. أحاول أن أرشف. ينتبه لي عمي موح. يدنو. يصفعني بظاهر كفه. أتجمد في مكاني. أصير خشبا قاعدا على خشب. أستعطف عمي موح وأستسمحه عساه يحفظ بقائي بمقهاه. عبد القادر ذو البطن البرميلي لم يعرف مما حدث شيئا. عيناه الجاحظتان تجثمان على رقعة اللعب. يمناه يمسك بها سيجارة رخيصة ويَحُكُّ بها رأسه الأشعث. باليسرى يرمي النرد بملل أحيانا، وبحماسة أحايين أخرى. يصير وحشا لا يقدر أحد على إيقافه حين يخسر. كثيرون لا يلعبون ضده، إلا هذا السكير عندو لِّي لِيهَا لِيهَا.
ألتفت نحو العربي، عَبُّه من “السَّبسِي” يستهويني. تمنيت “سَبْسِيًّا” كَسَبْسِيِّه. أعمر “شقفه” من “لَفَّة” كِيفِي. أدخن منه كما أشاء. تمنيت أن أكون كبيرا مثله كي لا يتحكم في حياتي أحد. أجل، الكبار لا يتحكم فيهم أحد! الصغار ينتظرون كِبَرَهُم بحماسة وشوق، والكبار يلعنون رُشْدَهُم وكِبَرَهُم. ألعن الشيطان الذي أتحسس وجوده. عقلي يقول لي مستهزئا: أنت هو الشيطان يا النمس. هل هناك شيطان يصل حد شيطنتك؟
أعود إلى شاشة التلفاز. خالد، بائع السجائر بالتقسيط، ينشغل بمد سيجارة شقراء ولفافة لسعيد المحشش، يولي ظهره للصندوق الخشبي الذي وضع عليه سجائره قرب مدخل المقهى. عبد الكريم المفلس يمر بسرعة خُطَّاف. يخطف علبة “أولمبيك الزرقاء”. هممت بالصراخ والاحتجاج. لكن عبد الكريم يعرف أنني رأيته فيحذرني عن بعد بسبابته باحترافية سارق متمرس. أعود لأسخن كرسيي من جديد. شفتاي تدفعاني لأشي بهذه السرقة التي عكرت مزاجي. أتذكر كفَّا عبد الكريم اللتان تعدلان ضربة مجرفة. أبرد. أهدأ وأتكور في مكاني.
الشراك الذي تفاديته مرات وحالفني في تفاديه حظي الذي لا يحسن إلا نادرا، سقطت فيه للتو. أبي يلج المقهى بجلبابه الجبلي الذي جلبه له عبد الحميد الذي كان يأتي بالكيف من كتامة على ظهره. أحاول أن أتسلل لكن الكراسي ورواد المقهى يعيقون حركاتي. أصير صخرة لا تقوى على حراك. أحبس أنفاسي. لا ألتفت إلا بحذر. شعيرات رأسي تقف كهر يستعد لعراك دام. والدي يتصرف بخبرة فائقة. يخطو بمهل ولامبالاة. يبدو لي أنه لم يرني. مَوَّه علي. نفسي تُحَدِّثُنِي: “حين يأخذ لنفسه مقعدا، أُنْجُ بنفسك قبل أن يعلم بوجودك.” يمر خلفي. أنا لا أقدر على الاستدارة للتمكن من جلوسه أو وقوفه. نسيت شاروخاني ونسيت نفسي. قطرات بولي تريد أن تطل بإلحاح لتتجسس على مهزلتي هذه. حاولت أن أستدير جهة اليسار. يد أبي تصفعني كما الإعصار. جدران المقهى ترد صدى الصفعة. كل الدنيا تدور حوالي. البول تجسس وعرف الواقعة. يصفعني ثانية. يتفوه بكلمات غير مكتملة. يسب بضبابية. أسقط أرضا. يرفسني. يسبني ويسب نفسه. يركل. يعفس. يعجن. لا أبكي، بل أبول وأتغوط في سراويلي..!!
![]()
















