الترجمة بيدين
“الترجمة انتقال و توسط. وهي هنا توسط بين الذات و بين نفسها، بين اللغة و بين ذاتها إنها هنا ما يجعل الأنا آخر، و ما يقحم التعدد في الوحدة. أو لنقل إنها مايجعلنا نعي أن التعدد اللغوي ليس أساسا امتالك عدة منظومات لغوية، كل منها يتمتع بانسجامه الخاص، وإنما هو أن نتكلم “لغت”نا” كما لو كنا أجانب عبد السالم بنعبد
العالي 1990 ص17-182
،مثلما يوجد مؤلفان و كاتبان لنص معين يوجد كذلك مترجمان و منتجان لنص،بعينه ،المترجم الواحد المفرد يشتغل بيد واحدة، وبذات واحدة والمترجم”المتعدد” “المثنى” و”الجمع” يشتغل بيدين ، مترجمان اثنان و أكثر يشتغلان بذاتين و ذوات متعددة علما أن الجمع في الفرنسية يبدأ من”اثنين” .وأكثر و في العربية من ثالثة فأكثر.
يعين المصطلح أو التعبير الفرنسي المسكوك “Ecriture à quatre mains ”
مؤلفا و عملا أدبيا أو فكريا أو فنيا…إلخ يتعاون و يتشارك فيه.اثنان أو أكثر.
يتحدث عبد السالم بنعبد العالي في كتابه أو بالأحرى في شذراته الموسومة “الكتابة بيدين” 2009 .عن مؤلفات في الثقافة الفلسفية الغربية موقعة بأسماء مشتركة.
ماركس-انجلز ، الخطيبي-حسون ، الكوالبارط- ج.ل نانسي ، دولوز- غواتاري.. “إنها كتب تخط بقلمين و تكتب بيدين و توقع باسمين” 2009-ص7.
هذا الوضع وارد في الثقافة العربية ، ،ودون العودة إلى تاريخية الأمثلة و الشواهد ، والنبش في ماضي التأليف العربي نكتفي بالتمثيل راهنا في مجال الشعر بديوان “البريد يصل غدا ” 1975،لحسن الأمراني و الطاهر دحاني و محمد علي الرباوي ، و ديوان “العشق الازرق “1976 لمحمد بنعمارة و فريد الرياحي. وفي مجال الرواية نشير إلى رواية “عالم بلا خرائط” 1982 .لجبرا إبراهيم جبرا و عبد الرحمان منيف .
بيد أننا نلاحظ أن المثال الأول رغم جمعه بين اسمين أو ثلاثة أسماء فكل واحد منهم
يخط و يوقع الجزء الذي أنتجه باسمه ،أما المثال الثاني في الرواية فالمؤلف واحد ينتسب إلى اسمين اثنين دون تعيين ما خطه وأنتجه هذا الإسم أو ذاك. رغم إمكان القارئ كشف و تمييز أسماء و فضاءات و أساليب…إلخ ترتبط بجبرا أو منيف عبر مؤشرات قرائية ومكتسبات معرفية و ذاكرة ثقافية تهم القارئ المطلع على المنجز الروائي للرجلين .
على غرار”الكتابة بيدين “، نقول “الترجمة بيدين” فالمترجم الفرد يختلف عن المترجم المثنى(اثنان) أو المتعدد (مجموعة أفراد )”الترجمة بيدين تجسد توقيعا،إنتاجا ثنائيا .اثنينيا أو جمعا متعددا لعمل و إنتاج واحد وتعين ذاتين اثنتين وعقلين و فهمين و فكرين و تأويلين أو أكثر لنص بعينه ولعمل بذاته و من أمثلة ذلك ترجمة شكري المبخوت و رجاء سالمة لكتاب “الشعرية” لطود وروف ط 1 1987، ط 2 1990 ،ويمكن أن نضيف إليهما اسما ثالثا هو عبد الجليل ناظم الذي تكلف بترجمة نص المقدمة التي خصبها “المؤلف .ترجمتي الكتاب إلى العربية و الانجليزية ،
وترجمة محمد الولي ومحمد العمري ل “بنية اللغة الشعرية” لجان كوهن ط1 1986.و ترجمة محمد البكري ويمني العيد لكتاب “الماركسية و فلسفة اللغة” لميخائيل باختين ط1 1986.
يلاحظ أن “بنية اللغة الشعرية “موقع باسمين كنص ترجمي ينتسب إليهما معا وهذه صيغة في حين أن “الماركسية وفلسفة اللغة” الموقع باسمين كذلك لكن إشارة في هامش التقديم تحدد و توضح الجزء المترجم الذي ترجمه كل منهما “ترجمت يمنى العيد الفصول 8،10،11 والباقية محمد البكري”.ص8. وهذه صيغة أخرى تختلف عن الصيغة الأولى.
،كيف يمكن في الترجمة بيدين أن نخلق إيقاعا منسجما في عملية التحويل ومتماسكا في فعل النقل ؟ كيف يمكن أن ننتج نصا ترجميا مصطبغا باللون نفسه: أسلوبا ونفسا وهوية لغوية وفهما و تأويلا؟
ألا يبدو أن “الترجمة بيدين” أكثر صعوبة وأشد قسوة من الترجمة بيد واحدة. رأيان يتفاعلان ،اقتراحان يتعالقان يتنافسان ،صيغتان تتداخلان تتشاجران…لصوغ خط واحد ،ونسج نص وتطريز قماش منسجم وعزف إيقاع متناسب طباقي (بمفهوم إدوارد سعيد). ولغة موحدة لكن بطبقات متعددة وبعنفين اثنين عنف على الدماغ و آخر على الجسد وألمين متلازمين متواصلين و بلذتين في الأخير.
![]()















