أجنا ميضار ألطو.
قيل أنهم كانوا ثلاثة، ورابعهم سنتياغو. لم يكن سنتياغو آدميا، ولم يكن كلبا، بل كان حمارا.كان حمارا بنيا قصيرا، بل قصيرا جدا. لكن هذا الحمار لم يكن يحمل أسفارا، بل كان يحمل ثلاثة أكياس من الفحم الخشبي. واحد منها في الطرف الأيمن والآخر في الطرف الأيسر. أما الكيس الثالث فيحمله هذا الحمار، الذي ليس بينه وبين حمل الأسفار إلا الخير والسلام، على ظهره مباشرة.
وقد تساءل أهل القرية، التي قصدها الرجال الثلاثة لبيع الفحم، كثيرا عما إن كان هؤلاء الرجال سيجنون من الأكياس الثلاثة ربحا يوفر لهم قوت يومهم وربما غدهم أيضا، وقوت عيالهم، إن هم تركوا خلفهم عيالا.
القرية التي قصدوها لم تكن تسمى رقيما، بل كانت تحمل إسما آخر لا أذكره الآن، وأنا أعدكم أنني إن تذكرته من الآن فصاعدا فسأخبركم به حتما، فأنا لا شيء عندي أخسره، ولا شيء عندكم أربحه إن أنا أخبرتكم أو لم أخبركم.
لم يبع الثلاثة شيئا من فحمهم. لم يبيعوا ولا رطلا واحدا. وقد لا يكون ذلك راجعا إلى كون أهالي القرية، التي لم أتذكر اسمها بعد، فقراء، بل هم فلاحون ليسوا بالأغنياء ولا بالفقراء. هم طيبون على كل حال. يجنون من فلاحتهم ما يحفظ ماء وجههم، ويجعلهم يتباهون أمام غيرهم من القرى بمواسم الحصاد التي تدر عليهم الكم المحترم. ولم يكن ذلك راجعا إلى كون الوقت الذي قصد فيه الثلاثة القرية للبيع، لم يكن مناسبا. بل إن أكثر من عقيقة وختان كانت ستقام فيهم في قادم الأيام. ولم يكن أيضا راجعا إلى كون الأهالي رجال فلاحون يعرفون كيف يصنعون الفحم بأنفسهم. فهم فعلا يتقنون كل ما ارتبط بالفلاحة إلا هذه فلا. لم يبع الثلاثة شيئا لأن شيخا كبيرا خبيرا بأمر الفحم وشؤونه قال أن الفحم الذي أتى به أولائك الثلاثة الغرباء لم يكن جيدا، وقد ذاع الخبر في القرية كلها ولم يشتر منهم أحد. وربما كان ذلك خيرا وسلاما للرجال الثلاثة أيضا. رجال القرية لا يعصون للشيخ أمرا، فهم على كل حال يقدسونه ويكادون يركعون لحضرته. فالشيخ هو كل شيء ولا شيء بدونه كائن.
حين غطت السماء القرية بسوادها، لم يجد الثلاثة بدا من قضاء الليلة هناك، فكان أن قصدوا بيتا مهجورا، دلهم عليه الشيخ ووافق لهم على النوم فيه. ولم يُمِت الله الرجال الثلاثة مائة عام، وما لبثوا في البيت المهجور ثلاثمائة سنين، ولا ازدادوا تسعا، بل ناموا ليلة واحدة، واحدة فقط. وقد لا يكونوا ناموا أصلا. ومن يدري؟ وحده الله يعلم ذلك. ورغم أن الأمر تعلق بليلة واحدة، فقد حدث فيها ما لم يحدث في القرية منذ أن نفخ الله فيها الروح. حدث كل ذلك العجب الذي لم يضرب له الأهالي حسابا ولم يكن في حسابات الشيخ ولا تخمينات الفقيه سي علال، ولا في تنبؤات الآخرين الذين يعتبرون أنفسهم عارفين بخبايا الأمور، ولم يهديهم إلى ذلك سيدهم صالح الذي يقولون عنه أنه ملهمهم الذي يدلهم على كل شيء قبل أن يحدث، ولم يبق لهم إلا أن يقولوا أنه ربهم الأعلى.
حين أفاق الأهالي في ذلك الصباح، وكانوا بالتأكيد يسمعون صياح الديكة ونهيق الحمير وصهيل الأحصنة والبغال، تحلقوا حول المنزل المهجور ليتسابقوا على إفطار الغرباء. أولائك الناس يا سيدي كرماء طيبون إلى درجة أنهم عسل يلعقه كل من مر بهم. فكانت المفاجأة، إذ لم يجدوا الرجال ولم يجدوا الحمار سنتياغو ولم يجدوا الأكياس التي كانت تنام على الحمار، لكنهم وجدوا الفاخر الذي قال عنه الشيخ أنه ردئ لا يستحق أن يباع ولا أن يشترى، لكن العجب الذي حير الأهالي هو الفحم الذي كان قليلا ولم يكن بحجم ما يملأ ثلاثة أكياس بتلك التي رأوا أمس. لكنهم وجدوا أحجارا وأخشابا مكسرة بالقرب منه. وقد تمكن الشيخ بفطنته هذه المرة أن يصل إلى أن الثلاثة كانوا قد ملأوا الأكياس بالأحجار والأخشاب ولم يضعوا الفحم إلا في جزئها العلوي. وقد فكروا كثيرا وتساءلوا عما إن كان الثلاثة قد غادروا باكرا لأمر شغلهم، وقد يكون الشيخ مخطئا في تخمينه إذ أن هؤلاء باعوا واشتروا مع أقوام لا يعرفونهم ليلا. إلى غير ذلك من الأمور التي قد تخطر ببال الواحد منهم.
ثم تساءلوا بصوت واحد:
– وماذا تراهم حملوا في تلك الأكياس وعلى ذلك الحمار اللعين..؟!
لكن لا أحد استطاع أن يقول شيئا، لا الشيخ ولا الفقيه سي علال ولا الآخرون. ما استطاعوا أن يؤخروا ولا أن يقدموا. وصار الأهالي يفكرون في الأمر حتى جاعوا وعطشوا ومالت الشمس إلى كوخها المسائي وهم على تلك الحالة. اجتهد الفقيه هذه المرة فظن نفسه عالما بكل شؤون الدنيا فقال:
– سرقوا نعاجا يا سادة..
لكن الأهالي ضحكوا حتى اضطر بعضهم إلى إنقاض الوضوء. ولو لم يوقفهم الشيخ الذي لا يعصون له أمرا لفعلوا أشياء أخرى قبيحة في سراويلهم لا قدر الله..!! إلا أنهم همسوا فيما بينهم قائلين: “كيف يعقل أن يضعوا النعاج في الأكياس..؟ وكيف يحملها حمار هزيل كذاك..؟ ثم قالوا: ومن سُرقت نعاجه أصلا..؟”
ثم سكت الفقيه وعقب الشيخ:
– سرقوا خضرا من حقولنا في أكياسهم إذن..
ثم صاح:
– هل سُرق أحدكم يا ناس..؟
نظروا في بعضهم البعض.. حملقوا.. حدقوا، ولم يقولوا شيئا. غضب الشيخ من صمتهم وأزبد وأرعد. لكن الأهالي لم يضحكوا هذه المرة لأن الأمر يتعلق بالشيخ، وقد يفعل بهم شيئا قبيحا جدا، لكنهم بالمقابل ضحكوا في دواخلهم، فلا أحد يستطيع منعهم من ذلك..
ولبثوا على ذلك الصمت والليل قارب على إسدال ستار السواد عليهم إلى أن سمعوا صراخ طفل، يسمونه بولد الشقراء لأن أمه هي المرأة الوحيد في القرية التي تملك شعرا أشقرا، يتقدم إليهم وهو يلهث، وما كاد يتكلم حتى كاد الشيخ يهوي عليه بعكازه وهو يعوي في وجهه:
– تكلم يا ابن الكلبة الشقراء..
وقد تكلم الطفل وقال أن حفرة كبيرة حديثة وجدها عند جذع شجرة الصفصاف التي تتوسط مقبرة اليهود المهجورة.. هرع الكل إلى المكان، وتحلقوا حول الحفرة مثلما فعلوا بالمنزل المهجور من قبل. فكروا وفكروا وفكروا حتى اكتشفوا أن كنزا غاليا، غاليا جدا، سرق من قريتهم وهم نيام. لم يجدوا أمارة تدلهم على موطن الرجال، الذين ظنوا أنهم سرقوه، إلا سنتياغو الذي رأوه يهرول في اتجاه قريتهم وهو ينهق بصوت مستفز.
أمسكوا به. وكبه الشيخ وتبعه الآخرون راجلين..كان الليل قد أرسل أولى قسماته الفحمية، لكنهم رغم ذلك قالوا أن الحمير تعرف الطريق إلى بيوتها ولن يفلتوا فرصة هذا الحمار، وتعجبوا في كونه رجع إلى القرية. ترى ماذا يريد منهم..؟!
دلهم الحمار على قرية قريبة منهم، وسألوا الأهالي هناك عن الرجال فردوا عليهم بصوت واحد:
– أولائك يا سيدي نزلوا عندنا منذ شهر، ونحن لا نعرفهم، وسكنوا بيتا مهجورا ثم غابوا منذ يوم واحد ولم يبق منهم إلا الحمار الذي تركبه سيادتكم.. قيل لنا أنهم ذهبوا إلى طنجة ليسكروا ويفعلوا أشياء أخرى، وما كان عليهم إلا أن يبكوا حظهم العاثر، أما الحمار فقط طفق ينهق مرة أخرى وبصوت أكثر استفزازا، لكنه هذه المرة كان ينهق وهو يصدر أصواتا متتالية مزعجة
من خلفه..!
يونس بوتكمانتي
![]()















