سكاي ميضار ألطو الإبداعية

لو أنني من أعضاء اللجنة المكلفة بصياغة تعديلات المدونة، لجعلت بين بنودها، فصلا مخصصا للشيخوخة.
أجملت المدونة بين طياتها، كل ما يترتب عن الروابط الأسرية من حقوق والتزامات. الحضانة ومقتضياتها ، الزواج والطلاق والإرث والذمة المالية للزوجين ، لكنها خلت من بنود تنظم مرحلة الشيخوخة وما يترتب عليها من حقوق والتزامات.
كما هو حال مطارح النفايات ومستودعات السيارات المهترئة المعدّة للطحن وإعادة التدوير، تنتشر على هوامش المدن الهولندية، مراكز رعاية الشيوخ ومن انتهت صلاحيتهم الانتاجية والإستهلاكية.
عالم مختلف، هادئ ، مستكين لدفئ العمر مثل سحلية عطشى على صخرة ساخنة.
تنشر الحياة، فخاخا ممتدة على مساحة العمر، بينما يتسابق البشر ويتدافعون كقطيع الثيران الوحشية. فخاخ منها ما يكلف الانسان حياته فينتهي جثة هامدة يحضنها التراب، ومنها ما يجعله عرضة لعطب يرافقه طول سنوات عمره المتبقية، ومنها ما يجعل المرء يصاب بتشوه، يجعل الناظر اليه يفاجئ لسرعة تغير ملامحه بين صبح وعشية.
قال لي الوالد ذات مرة بأن في العمر حفرة، بمجرد ان يقع فيها المرء فإنه يخرج منها بملامح أخرى.
انها حفرة الشيخوخة، الضلع الأعوج الذي يتحول إلى عكاز يعين المرء على الاستمرار في مسايرة تدافع الثيران.
في زمن مضى، كان عمر المرء من اختصاص الطبيعة. هي من تحرر تاريخ ميلاده كما تصدر شهادة وفاته. سبب الوفاة المذكور على محاضرها يكون على هذه الشاكلة :
أكله سبع
ركلة حمار
غير قادر على الفرار
غرق
حرق
قتِل
تغيرت الأزمنة فأضحى للعجزة الحق في البقاء رغم قساوة الأمكنة. في هولندا والدول الغربية، تم تنظيم هذه المرحلة من العمر. شيدت مراكز إيواء ورعاية، شبيهة بثلاجات الجثث التي تحفظ الجسد كي لا يتحلل.
أعياد الميلاد، مناسبة يتذكر خلالها الأبناء المتدافعون مع قطيع الثيران، آبائهم وأمهاتهم. يرافقونهم إلى مطعم للغذاء أو العشاء.
نعمة لا يعرف قيمتها فقط من حرم منها، أن يكون الشيخ محاطا بأبنائه وأحفاده. يضحك مع هذا ويغضب من آخر. له مفتاح داره، يلجها ويخرج منها متى شاء. يمشي وفق قدرة أقدامه، دون ان يرسم أحدهم مسار خطواته. يعانق الشمس ويحضنه نسيم الطبيعة ورياحها، تصرخ عليه برعدها وتهدده ببرقها :
” مازال ما تموت آهيا!!”
” لا مازال شوية . على هذه الأرض ما يستحق الحياة” يجيب الشيخ بينما تحضن يده يد حفيده او حفيدته.
رائحة الشيخوخة، الصادرة من أجساد العجزة هنا في هولندا ، غريبة وكأن الروح تتحلل.
يجلس هذا التسعيني بجانبي بينما اختارت ابنته ان تجالس والدتها التي تصغر زوجها بعام واحد. والدتها غير قادرة على الحركة وتستعين بكرسي متحرك. أبنتهما خصصت لهما ساعات للغذاء معا. فرصة ليغادرا ثلاجة الجثث.
وجدت صعوبة في مساعدة والدتها على بلوغ كرسي السيارة المرتفع. كانت تتحسس بمؤخرتها جنبات الكرسي، لتجعلها متكئا بعينها على الارتقاء. بعد محاولات وعناء ، سقطت على سروالها قطعة مخاط خضراء ، تهاوت من أنفها. رجعت مباشرة إلى مكاني وخاطبت العجوز :
” دير الحزّامة الشريف.”
من يدري، رغم الأسفلت، فالطريق تبدو لي ” عامرة حفاري”.
![]()















