حميد البوبكاري: البحر وحده يحتفظ برائحة الموتى

Admin Sa.El19 أبريل 2025Last Update :
حميد البوبكاري: البحر وحده يحتفظ برائحة الموتى

سكاي ميضار ألطو الابداعية.

البحر وحده يحتفظ براٸحة الموتی.
کانت الامواج توشوش وترتطم بالصخور، تشکوغضب البحر وسخطه، نوارس تسمو عاليامتحدية الرياح العاتية، وترسل سيمفونيةحزينة تحتضنها الأمواج الهوجاء التي تكسر الصمت الرهيب الذي سكن القرية بعد الفاجعة، ماتبقى من قوارب الموت تتراقص وتتحطم على البرية، تدفنها الرمال إلى الأبد.
عمار لن يهدأ له بال بعد ان سمع عن الکارثة …لم يتأكد من الخبر بعد، ظل حبيس البيت، يترقب أخبار الراديو الذي لازمه، وينتظر أن يعود زيد أو طيفه، تحولت القريةإلى خراب کأن إعصارا مر بها، التزم الناس بيوتهم، تضاربت الأخبار، هناك من انتظر البحارة العائدين، لكنهم كتموا السر واحتفظوا به لكي لايزرعوا البلبلة بين الأسر، وهناك من استخف من البحر وعصيانه.
عاد موسى وحمل معه الخبر اليقين، نجى بأعجوبة من مخالب الموت، رأى أهوال البحر الذي أخذ رفاقه دفعة واحدة، تلقى عمار الخبر وراح يتمشى في البيت جيئة وذهابا، أطل براسه من النافذة يراقب تموجات البحر والسنة دخان البواخر وهي تتلوی وتتماهی بأدخنتها في سماء داکنة، تفقد الأحواش الخالية والمراعي البعيدة، مسح بعينيه الشاطئ الذي يحرس القرية ومصدر رزق أهلها.
تكدست الأفكار برأس عمار وازداد الضغط عليه، واستبدت المخاوف منه… بدأ يميل إلى العزلة، ابتعد عن الناس وعن أخبارهم التي لاتزيد له إلا الإنكسارات والهزائم، وبدأيقترب من البحر لعله يبوح له من أسراره ويكشف عن كنه أعماقه المظلمة…
تمدد عماركعادته، حاول أن يغمض عينيه، تنفس بصعوبة كأنه يحمل أطنانا من الرماد على قلبه، جرفه السيل كغريق يطلب النجدة فوجد نفسه أمام زيد وهو عاٸد من المدرسة کعادته، يقبله …يدغدغه…ويمسح علی رأسه ويجره إليه، يجلسا معا علی الکنبة ..يدردشا ويحكي له عن سنوات الجوع والبون وسنوات الحروب والعصيان، ..يتهادى له زيد ويفتح عينيه الواسعتين في وجهه الذي تغيرت تضاريسه…يشم رائحة صدره المتعب، يرى مستقبله أصعب من هذه الحكايات …يداعبه … ويسرق منه ابتساماته الحزينة … يسترخيا في انتظار ما ستجود به فطومة عليهم من طعام…يتنهد ويشخر كقطار هرم تعطل في العقبة… يفيق من غفوته وينفث اخر ماتبقی من سيجارته التي کادت ان تحرق أصابعه، يحس بدوران ويطالب فطومة ان تأتيه بقهوته المعتادة ليعيد توازنه…
فطومة لم تعد کما کانت، لم تعد تلك الحسناء التي كانت تزين وجهها لعمار كل مساء…لم تعد ذلك الملاك الذي كان يطير ويطوف بين البيوت تتفقد كل مايدور في محيطها…
الأثاث مغفر بالغبار، شلل تام خيم علی البيت، عناكيب نسجت خيوطها… براکين تثور وتهز کيانها، کانت علی يقين أن زيد لن يعود…انزوت بعيدا عن الأنظار وعن الجيران ، لم تعد تستحمل الأحاديث المتکررة التي تنقلها نساء الحي …وحده الله يعرف عمق الجرح الذي يسکن جوارحها…لم تعد تنام في مکانها المعتاد، هجرها النوم، أحس عمار بالخطر الذي يتربص بها فبدا يراقب تحرکاتها حتی جاء اليوم الذي ابتلعتها الأرض، تاركة وراها السر الذي كان يشعل النيران الملتهبة في جسد عمار، ارتمی عمار بالخارج کالمجنون باحثا عن اثرها ، عن جنونها، عن الحقيقة التي كان يتنبأ بوقوعها، كان يدرك ان فطومة فقدت السيطرة علی نفسها منذ مدة وأنها ستقدم علی فعلة شنيعةفي أية لحظة، اتجه نحو البحر بسرعة فاٸقة، بدأ يتنفس بصعوبة کبيرة وهو يلمحها تدخل البحر والأمواج العاتية تدفعها…اقترب شيٸا فشيٸا،تنفس الصعداء فارتمی عليها بکل ما يملك من قوة فاحتضنها وهي تتنهد وتقول:
البحر وحده يحتفط براٸحة الموتی
البحر وحده…..النوارس کانت شاهدة علی جنازةغير مکتملة…

حميد البوبكاري

Loading

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
Translate »