احنا ميضار الطو
هي الحكاية التي تتكرر في كل بيت ريفي، رفيقة الصباحات الباردة والليالي الساهرة، تلك التي تجمع الأهل والأحباب حول مائدة بسيطة لكنها زاخرة بالدفء.
البيصارة ، بحضورها العريق، تسطّر لحظة ريفية خالصة، لا تكتمل إلا بمرافقة كأس الشاي بالنعناع أو الشيبة، ذلك المشروب الذي يحمل في رائحته أسرار الأرض وعبق الزمن. حين يُسكب الشاي في الكؤوس المزخرفة، ينتشر عبيره في الأجواء وكأنه إعلان رسمي لانطلاق جلسة أصيلة.
الرشفات الأولى تحمل دفئًا ناعمًا، فيما تمتد الأيدي إلى البيصارة التي تنتظر أن تغمس فيها قطع الخبز الطري، فتبدأ نكهتها العميقة في الاندماج مع مذاق الشاي اللاذع.
الثنائي، البيصارة والشاي ،( اتاي ثمراقت) قد يضن من لا يعرف سرهما أنهما مجرد طعام وشراب، لا إنه طقس اجتماعي يضفي على اللقاءات بهجة خاصة. الحديث ينطلق، الذكريات تتجدد، والضحكات تختلط بصفير البرّاد الساخن، معلنة أن الحياة أحيانًا تكون بسيطة لكنها مليئة بالجمال.
في الاسواق الاسبوعيه و تحت الخيام ( إقيظان) تدقّ وتفوح من روائح الخبز الساخن والطين المبلل، تنهض “البيصارة” من غفوتها الشتوية، كأنها حكيمة عجوز تروي حكايا الزمن الجميل.
هي دفء الشتاء، وسلوى الدراويش، وعزاء العشاق المفلسين، حبيبة الجماهير و عشيقة المتذوقين.
من فول يابس( إباون)، قد مرّ عليه زمن، كأنه قضى شبابه في انتظار هذا اليوم، ومن بازلاء( ثينيفين) جافة، كانت يومًا خضراء يانعة، ثم اعتزلت الحياة في صمت حتى آن أوان بعثها من جديد.
تُغلى الحبوب في قدور ، تغلي وتغلي، حتى تذوب شكواها في الماء، ويتحول كل شيء إلى مزيج كثيف يلمع كالذهب على نار هادئة، كأنما الطباخة تخاطب القدر: “ارفق بقلب الفقير، فإن البيصارة عزاؤه”.
حين تُسكب في صحون فخارية، يُنثر عليها زيت الزيتون كأنها عروس تتزين ليلة زفافها، ويُضاف الفلفل الحار كحبة عشقٍ تلسع اللسان وتوقظ الحواس. أما البصل الأخضر، فهو الضيف المرح، يدخل ضاحكًا ويخرج باكيًا من العين، لكنه لا يُنسى.
هل البيصارة طعامًا فقط ؟
لا : هي فصلٌ من رواية ريفنا العزيز عتيقة، يُروى في كل بيت، ويُؤكل في صمت أو في ضحك، لكن الأهم: يُؤكل ساخنًا، وإلا غابت عنه روحه.

![]()













