أجنا ميضار ألطو
يواجه المغرب منذ سنوات تحدياً مائياً غير مسبوق حيث تتفاقم أزمة الجفاف وتتراجع الموارد المائية بشكل ينذر بالخطر في الوقت الذي يعيش فيه المواطنون والمزارعون على حد سواء وطأة نقص المياه تبرز قضية تصدير المغرب للمياه ليس في شكلها السائل المباشر بل كمياه افتراضية مضمنة في المنتجات الزراعية الموجهة للتصدير يثير هذا التناقض جدلاً واسعاً حول أولويات السياسات المائية والزراعية في البلاد ومدى تأثيرها على الأمن المائي الوطني في ظل التغيرات المناخية المتسارعة يسعى هذا التقرير إلى تسليط الضوء على أبعاد هذه الأزمة وتحليل البيانات والإحصائيات المتعلقة بها واستعراض آراء مختلف الأطراف المعنية وصولاً إلى فهم أعمق للتحديات والآفاق المستقبلية لإدارة المياه في المغرب.
انتقل المغرب من مرحلة ندرة المياه إلى الإجهاد المائي وهي حالة تُعرف بانخفاض نصيب الفرد من المياه المتجددة إلى أقل من ألف متر مكعب سنوياً تشير التوقعات إلى أن المغرب قد يفقد حوالي ثلاثين بالمائة من موارده المائية سنوياً بحلول عام 2050 تتعدد أسباب هذه الأزمة وتتداخل لتشكل تحدياً معقداً يتطلب حلولاً جذرية .و يُعد التغير المناخي عاملاً رئيسياً في تفاقم الأزمة حيث يشهد المغرب سنوات جفاف متتالية ونقصاً حاداً في التساقطات المطرية وقد بلغت ذروة الجفاف في شتاء 2024، مما أثر سلباً على القطاع الفلاحي والاقتصاد البدوي. يعاني المغرب من تباين كبير في توزيع الموارد المائية بين المناطق ، مما يزيد من حدة الأزمة في بعض الأحواض المائية انخفضت حصة الفرد من المياه بشكل مقلق من2500 متر مكعب سنوياً في عام 1960 إلى حوالي 600 إلى 650 متراً مكعباً حالياً . هذا التراجع يضع المغرب ضمن الدول التي تعاني من إجهاد مائي شديد يبلغ العجز السنوي للمياه في المغرب حوالي مليار متر مكعب، يتم استغلال المياه الجوفية بمعدلات تفوق قدرتها على التجدد ، مما يؤدي إلى تراجع منسوبها وتملحها في بعض المناطق الساحلية.
تؤثر أزمة المياه بشكل مباشر على عدة قطاعات حيوية في المغرب، و يُعد القطاع الزراعي أكبر مستهلك للمياه ،حيث يستحوذ على ما يقارب 87% من إجمالي الموارد المائية وقد أدت سنوات الجفاف إلى فقدان مساحات مزروعة وتراجع في إنتاج الحبوب مما يهدد الأمن الغذائي للبلاد.و تتزايد المخاوف من تأثير الأزمة على توفر مياه الشرب للمواطنين ،خاصة في المناطق التي تعاني من نقص حاد في الموارد المائية، و يؤدي الجفاف إلى خسائر اقتصادية كبيرة، خاصة في المناطق الريفية التي تعتمد على الزراعة، مما قد يؤدي إلى تفاقم البطالة والهجرة الداخلية .
في خضم هذه الأزمة المائية تبرز قضية تصدير المغرب للمياه ،ليس في شكلها السائل بل كمياه افتراضية مضمنة في المنتجات الزراعية الموجهة للتصدير. هذا المفهوم يشير إلى كمية المياه اللازمة لإنتاج سلعة أو خدمة.
و يركز المغرب على تصدير مجموعة من المحاصيل التي تتطلب كميات كبيرة من المياه لإنتاجها ومن أبرزها الأفوكادو، يُعد الأفوكادو من أكثر المحاصيل استهلاكاً للمياه حيث يُقدر: أن إنتاج كيلوغرام واحد منه يتطلب حوالي 1000 لتر من المياه وقد شهدت صادرات المغرب من الأفوكادو نمواً ملحوظاً في السنوات الأخيرة متجهة بشكل خاص إلى أسواق مثل كندا وأوروبا، الطماطم، والتوت، والفراولة والبرتقال . تُصنف هذه المحاصيل أيضاً ضمن المنتجات كثيفة الاستهلاك للمياه، وتُشكل جزءاً كبيراً من سلة الصادرات الزراعية المغربية. تشير بعض التقديرات إلى أن المغرب يصدر أكثر من مليار متر مكعب من المياه الافتراضية سنوياً عبر صادراته الزراعية، وقد بلغ تصدير الطماطم والأفوكادو وحدهما حوالي 350 مليون متر مكعب من المياه الافتراضية، في عام واحد يثير استمرار تصدير هذه المنتجات في ظل أزمة المياه الحادة جدلاً واسعاً وانتقادات من قبل الخبراء والبرلمانيين والمواطنين، يرى العديد من الخبراء أن هذا التوجه يهدد الأمن المائي للبلاد، ويُساهم في استنزاف الموارد المائية الشحيحة، خاصة المياه الجوفية. و ينتقد البعض إعطاء الأولوية للزراعات الموجهة للتصدير على حساب توفير المياه للمواطنين والزراعات المعيشية. و يطالب الخبراء بمراجعة شاملة للسياسات الزراعية والمائية، والتوجه نحو زراعات أكثر كفاءة في استخدام المياه وتطبيق تقنيات الري الحديثة . يعبر المواطنون عن استيائهم من هذا التناقض ويرون أنه من غير المنطقي استنزاف المياه المحلية، لتصدير منتجات لا يستفيد منها المغاربة بشكل مباشر ، في ظل معاناتهم من نقص المياه ،تتنوع الآراء حول هذه القضية مما يعكس تعقيد التحدي المائي في المغرب، و يُجمع الخبراء على أن الوضع المائي في المغرب حرج، وأن استمرار السياسات الحالية قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة، يدعو الخبير الدولي في الموارد المائية محمد بازة إلى وقف تصدير المنتجات الزراعية كثيفة الاستهلاك للمياه، مشيراً إلى أن هذا التصدير يضر بالأمن المائي للبلاد . كما يؤكد خبراء آخرون على ضرورة تبني استراتيجيات جديدة، توازن بين الأمن الغذائي والأمن المائي.
و تُقر الحكومة بوجود أزمة مائية وتُعلن عن جهود لمواجهتها مثل: بناء السدود ومحطات تحلية مياه البحر. ومع ذلك يرى بعض البرلمانيين أن هذه الجهود غير كافية ويطالبون بمراجعة السياسات الزراعية ، التي تستنزف المياه . و يعيش المواطنون بشكل مباشر تداعيات أزمة المياه ، وتتزايد مخاوفهم من نقص مياه الشرب. يرى الكثيرون أن تصدير المياه الافتراضية أمر غير مقبول في ظل الظروف الراهنة ، ويطالبون الحكومة بإعطاء الأولوية لاحتياجاتهم الأساسية من المياه . و تُظهر أزمة المياه في المغرب وتحديداً قضية تصدير المياه الافتراضية تحدياً معقداً يتطلب مقاربة شاملة ومتوازنة، ففي الوقت الذي تُعد فيه الزراعة قطاعاً حيوياً للاقتصاد المغربي، فإن استنزاف الموارد المائية، من أجل تصدير منتجات كثيفة الاستهلاك للمياه يثير تساؤلات جدية حول استدامة هذه السياسات، لضمان الأمن المائي للمغرب. و على المدى الطويل يُوصى بمراجعة السياسات الزراعية، حيث يجب إعادة النظر في السياسات الزراعية، الحالية والتركيز على دعم الزراعات الأقل استهلاكاً للمياه، وتشجيع الممارسات الزراعية المستدامة، ترشيد استهلاك المياه، تعزيز الوعي بأهمية ترشيد استهلاك المياه في جميع القطاعات، وتطبيق تقنيات الري الحديثة والموفرة للمياه على نطاق واسع تطوير مصادر مياه بديلة الاستثمار بشكل أكبر في محطات تحلية مياه البحر ومعالجة المياه العادمة لإعادة استخدامها في الزراعة والصناعة إدارة متكاملة للموارد. المائية تبني استراتيجية وطنية شاملة لإدارة الموارد المائية تأخذ في الاعتبار التغيرات المناخية وتضمن التوازن بين الاحتياجات المختلفة للماء الشفافية والمساءلة تعزيز الشفافية في إدارة الموارد المائية ومساءلة جميع الأطراف المعنية لضمان الاستخدام الأمثل للمياه إن معالجة أزمة المياه في المغرب تتطلب إرادة سياسية قوية وتعاوناً بين جميع الأطراف وتغييراً في الأولويات لضمان مستقبل مائي آمن للأجيال القادمة.
![]()















