سكاي ميضار ألطو
يشهد العالم في الآونة الأخيرة موجة متصاعدة من الاعترافات بدولة فلسطين، لتتحول القضية الفلسطينية من ملف سياسي مزمن إلى قضية عالمية تتصدر أولويات المجتمع الدولي. فحتى منتصف عام 2025، اعترفت أكثر من 147 دولة عضو في الأمم المتحدة رسميًا بدولة فلسطين، وهو ما يعكس اتساع دائرة الشرعية الدولية للقضية. وقد انضمت دول أوروبية مؤثرة مثل إسبانيا وأيرلندا والنرويج وسلوفينيا إلى هذا الركب، فيما أعلنت فرنسا عزمها الاعتراف رسميًا خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025، وهو تطور يُعد تاريخيًا نظرًا لثقل باريس الدبلوماسي.
كما خطت دول كبرى مثل المملكة المتحدة وكندا وأستراليا خطوة غير مسبوقة، معلنة اعترافها بدولة فلسطين في سبتمبر 2025، في حين يُتوقع أن تلحق بها دول أخرى من أوروبا الغربية مثل ولوكسمبورغ ومالطا وأندورا وسان مارينو. هذه الاعترافات لا تأتي بمعزل عن الضغوط الدولية، وإنما تعكس اتجاهًا واضحًا لتغيير قواعد اللعبة في التعاطي مع الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
الدوافع وراء هذا التغير متعددة، يأتي في مقدمتها البعد الإنساني؛ إذ إن التصعيد العسكري الأخير وما خلّفه من خسائر بشرية ومآسٍ إنسانية في غزة، جعل من الصعب على كثير من الدول تجاهل المعاناة اليومية للشعب الفلسطيني. صور الدمار ونقص الغذاء والدواء والمياه التي اجتاحت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي حفّزت موجة واسعة من التضامن الشعبي والرسمي، ما خلق ضغطًا على الحكومات للتحرك.
إلى جانب ذلك، ثمة بُعد قانوني وسياسي، فالكثير من الدول ترى أن الاعتراف بفلسطين هو استحقاق لحق تقرير المصير، وتطبيق لقرارات الأمم المتحدة التي طالما نصّت على حل الدولتين. كما أصبح الاعتراف وسيلة لإحياء المسار السياسي المتجمد منذ سنوات، ورسالة بأن استمرار الاحتلال والاستيطان لم يعد مقبولًا أو مبررًا.
التحولات الداخلية في الغرب لعبت أيضًا دورًا محوريًا؛ فالرأي العام الأوروبي والكندي والأسترالي، خصوصًا في أوساط الشباب والمجتمع المدني، صار أكثر جرأة في المطالبة بمواقف عادلة تجاه الفلسطينيين، بعيدًا عن الانحياز التقليدي لإسرائيل. وقد انعكس هذا على سياسات الحكومات التي باتت ترى في الاعتراف أداة لتعزيز مصداقيتها الأخلاقية والحقوقية.
مع ذلك، تبقى هناك تحديات واضحة؛ فإسرائيل والولايات المتحدة تعارضان بشدة هذه الاعترافات، معتبرة إياها خطوات أحادية تهدد فرص التفاوض. كما تخشى بعض الدول من أن يكون الاعتراف مجرد خطوة رمزية لا تغيّر الواقع على الأرض ما لم يُرفق بإجراءات عملية لإنهاء الاحتلال وتحسين ظروف حياة الفلسطينيين.
لكن رغم هذه التحديات، يبدو أن الاعتراف المتزايد بفلسطين يمهّد لمرحلة جديدة. فإذا استمرت وتيرة الاعترافات بهذا الشكل، قد يجد المجتمع الدولي نفسه أمام واقع دبلوماسي يصعب تجاوزه، يفرض إعادة النظر في أسس العملية السياسية وإعادة إحياء مشروع الدولة الفلسطينية كحقيقة لا يمكن إنكارها.
![]()
















