skymidaralto.com. ⴰⵊⴰⵏⵏⴰ ⵎⵉⴹⴰ ⵓⴼⴰⵍⴰ
تشكل مبادرة إدراج اللغة الأمازيغية كتابة على سيارات الأمن الوطني بالمغرب خطوة لافتة في مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، كما ينص على ذلك دستور 2011 والقانون التنظيمي المتعلق بتفعيلها في الحياة العامة. غير أن أهمية هذه الخطوة، رغم رمزيتها القوية، تظل مرتبطة بمدى قدرتها على تجاوز منطق الإخراج البصري والانتقال من مستوى الديكور المؤسساتي إلى مستوى السياسات العمومية الفعلية ذات الأثر الملموس على حياة المواطنين.
من حيث المبدأ، فإن إدراج الأمازيغية، بحرف تيفيناغ، على سيارات الأمن يحمل دلالة سياسية وثقافية واضحة، مفادها أن الدولة تعترف بتعددها اللغوي والهوياتي، وأن مؤسسات السيادة، ومنها جهاز الأمن، ليست خارج هذا التحول. فاللغة هنا لا تُستعمل فقط كوسيلة تواصل، بل كأداة رمزية لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسة، خصوصا في المناطق التي تشكل فيها الأمازيغية لغة التداول اليومي. بهذا المعنى، يمكن اعتبار المبادرة محاولة لإعادة تموقع المؤسسة الأمنية داخل الفضاء المجتمعي، بشكل أكثر شمولا واعترافا بالتنوع.
غير أن الإشكال الجوهري لا يكمن في وجود الأمازيغية على سيارات الأمن، بل في وظيفتها. فالاكتفاء بإدراجها في الشارات والكتابات الخارجية، دون أن يوازي ذلك إدماج فعلي لها في الممارسات اليومية للمرفق الأمني، يفرغ المبادرة من مضمونها ويحوّلها إلى مجرد واجهة بصرية. فالرهان الحقيقي لا يتمثل في أن يرى المواطن كلمة مكتوبة بتيفيناغ، بل في أن يتمكن من التفاعل بلغته داخل مخفر الشرطة، وأن تُتاح له خدمات الاستقبال، التوجيه، والتواصل بالأمازيغية، سواء شفهيا أو كتابيا.
من زاوية نقدية، يمكن القول إن هناك خطرا حقيقياً في اختزال تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية في مظاهر شكلية سهلة التنفيذ ومنخفضة التكلفة المؤسساتية، مقابل تأجيل أو تفادي الإصلاحات العميقة التي تتطلب استثمارا في التكوين، والموارد البشرية، وإعادة هندسة الخدمات العمومية. فكتابة الأمازيغية على السيارات لا تستدعي تغييرا في طرق العمل، بينما تعميمها في المحاضر، الشكايات، أو التواصل المباشر، يفرض إعادة التفكير في منظومة كاملة من الكفاءات والإجراءات.
كما أن غياب معايير واضحة وموحدة في كتابة الأمازيغية، سواء من حيث الدقة اللغوية أو سلامة الاستعمال، يطرح تساؤلات حول الجدية المؤسساتية في التعاطي مع هذا الورش. فالأخطاء اللغوية أو الاستخدام غير الدقيق لحرف تيفيناغ لا تُعد تفاصيل تقنية هامشية، بل تعكس أحيانا تعجلاً في التنفيذ أو ضعفا في إشراك الخبراء والفاعلين المتخصصين، وهو ما قد يحوّل مبادرة إيجابية في جوهرها إلى مادة للانتقاد بدل أن تكون مصدر اعتزاز جماعي.
انطلاقا من ذلك، فإن المقارنة مع تجارب دولية متعددة اللغات تُظهر أن الإدماج اللغوي الناجح داخل المؤسسات الأمنية لا يُقاس بحجم الحضور البصري للغة، بل بمدى قدرتها على تحسين جودة الخدمة وتعزيز الثقة بين المواطن والدولة. ففي دول اعتمدت التعدد اللغوي بشكل فعلي، تم الاستثمار في تكوين العناصر الأمنية لغويا، وفي إنتاج وثائق رسمية متعددة اللغات، وفي بناء ثقافة مؤسساتية تعتبر اللغة حقا للمواطن لا مجرد رمز للهوية.
إدراج الأمازيغية على سيارات الأمن الوطني تحمل قيمة رمزية لا يمكن إنكارها، لكنها تظل خطوة أولى فقط. فإذا لم تُستكمل بسياسات عمومية متكاملة تجعل من الأمازيغية أداة تواصل حقيقية داخل المرفق الأمني، فإنها ستظل حبيسة منطق التزيين المؤسساتي، بدل أن تكون رافعة فعلية للعدالة اللغوية والمساواة بين المواطنين. والانتقال من الرمز إلى الممارسة، ومن الشعار إلى الخدمة، هو التحدي الحقيقي الذي سيحدد ما إذا كانت هذه المبادرة لحظة تحول، أم مجرد صورة جميلة في واجهة الدولة.
![]()
















