جدل بداية رمضان في اوروبا

Admin Sa.El18 فبراير 2026Last Update :
جدل بداية رمضان في اوروبا

skymidaralto.com

يشكّل تحديد بداية شهر رمضان في الدول الأوروبية كل عام موضوعا حساسا داخل الجاليات المسلمة، غير أن الجدل هذا العام اتخذ أبعادا أعمق بسبب تحوّل ملحوظ في آلية اتخاذ القرار. فعلى مدى سنوات طويلة، اعتادت غالبية الجاليات المسلمة في أوروبا على بدء الصيام والاحتفال بالأعياد الدينية تبعا لما تعلنه دول إسلامية كبرى عند ثبوت رؤية الهلال، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، بحكم مكانتها الدينية وارتباطها بالحرمين الشريفين. ولم تكن المراكز الإسلامية في أوروبا تمارس سلطة حاسمة في هذا الشأن، بل كان دورها أقرب إلى نقل الإعلانات الصادرة عن تلك الدول أو التنسيق المحلي بين المساجد.
إلا أن هذا العام شهد تحوّلا واضحا، حيث تبنّت هيئات فقهية أوروبية، وفي مقدمتها المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، منهجا قائما على الحسابات الفلكية الدقيقة لتحديد بداية الشهر، وأوصت المساجد التابعة لها باعتماد يوم الخميس كبداية للصيام، رغم إعلان عدة دول إسلامية ثبوت رؤية الهلال وبدء الصيام في يوم سابق. هذا التحوّل لم يكن تقنيا فحسب، بل حمل دلالات تتعلق بإعادة تعريف المرجعية الدينية داخل السياق الأوروبي، ومحاولة الانتقال من التبعية الزمنية لقرارات تصدر خارج أوروبا إلى بناء قرار محلي أوروبي مستقل يستند إلى معايير علمية وفقهية تراها تلك الهيئات أكثر انسجاما مع الواقع الجغرافي للقارة.
فقهيا، يستند الخلاف إلى مسألة قديمة تتمثل في اختلاف العلماء حول اعتماد الرؤية البصرية للهلال أو الاكتفاء بالحسابات الفلكية الموثوقة. فبينما يرى فريق من العلماء أن النصوص الشرعية تربط الصوم بثبوت الرؤية، يرى آخرون أن المقصود هو تحقق دخول الشهر بأي وسيلة قطعية، والحسابات الفلكية اليوم بلغت درجة عالية من الدقة تجعلها في نظرهم وسيلة معتبرة شرعا. غير أن الإشكال في السياق الأوروبي لم يكن في وجود هذا الخلاف ذاته، بل في طريقة تنزيله عمليا على الجالية، وفي التحول المفاجئ من عرفٍ مستقر لسنوات إلى مقاربة مختلفة دون تمهيد كافٍ أو نقاش موسّع داخل القواعد المجتمعية.
هذا الواقع أفرز حالة من اللبس والامتعاض داخل فئات من الجالية المسلمة. فبالنسبة لكثيرين، لم تكن المسألة مجرد اختلاف يوم واحد في التقويم، بل شعور بفقدان رابط رمزي مع العالم الإسلامي الأوسع، خصوصاً مع البلدان التي يرتبطون بها عاطفيا وثقافيا. كما اعتبر بعضهم أن القرار الجديد يعكس مركزية متزايدة للهيئات الأوروبية على حساب استقلالية بعض المساجد التي كانت تختار سابقاً اتباع إعلان دول بعينها. وفي المقابل، رأى مؤيدو القرار أن توحيد الصيام داخل البلد الأوروبي الواحد أولى من التشتت بين تواريخ متعددة، وأن الاعتماد على الحسابات الفلكية يحدّ من التكرار السنوي للانقسام ويمنح الجالية استقرارا تنظيميا أوضح.
اجتماعيا، كشف هذا الجدل عن تحدٍ أعمق يتعلق ببناء مرجعية دينية متوازنة للجاليات المسلمة في أوروبا: هل تستمر في الارتباط الزمني والرمزي بقرارات تصدر من خارج السياق الأوروبي، أم تتجه نحو تطوير مؤسساتها الفقهية المحلية بسلطة تقريرية أكبر؟ كما أظهر الحاجة إلى تعزيز التواصل والشفافية في شرح الأسس الشرعية والعلمية للقرارات، لأن غياب التفسير المقنع يفتح الباب للتأويلات ويضعف الثقة المؤسسية.

Loading

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
Translate »