skymidaralto.com أجنا ميضار الطو.
أثار مشروع قانون التعليم العالي بالمغرب موجة واسعة من الجدل والرفض داخل الأوساط النقابية، وعلى رأسها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وكذلك لدى عدد كبير من الأساتذة والباحثين والطلبة والمهتمين بالشأن التعليمي، وذلك بالنظر إلى ما يتضمنه من اختيارات تشريعية اعتُبرت مفصلية وخطيرة على مستقبل الجامعة العمومية ووظيفتها الاجتماعية والمعرفية. فالمشروع، الذي قُدِّم في سياق يُرفع فيه شعار “إصلاح المنظومة” و”الملاءمة مع سوق الشغل”، يتجاوز في نظر معارضيه حدود الإصلاح التقني أو التنظيمي، ليؤسس لتحول بنيوي في فلسفة التعليم العالي بالمغرب، من خدمة عمومية ذات بعد اجتماعي إلى قطاع خاضع لمنطق السوق والاستثمار.
أولى نقاط التوتر تتجلى في التوسيع الكبير لدور التعليم العالي الخاص، ليس فقط عبر الاعتراف به وتنظيمه، بل من خلال وضعه في موقع شبه متكافئ مع التعليم العمومي، سواء على مستوى الشهادات أو الشراكات أو الاستفادة من التمويل والدعم العمومي. هذا التوجه فُهم على أنه خوصصة غير معلنة للتعليم العالي، أو على الأقل انسحاب تدريجي للدولة من التزاماتها الدستورية في ضمان تعليم عمومي مجاني وجيد، وهو ما يهدد مبدأ تكافؤ الفرص ويكرس الفوارق الطبقية، حيث يصبح الولوج إلى تعليم عالي ذي جودة رهينا بالقدرة المادية للأسر.
كما يثير المشروع مخاوف جدية بشأن مستقبل مجانية التعليم العالي، فرغم غياب نص صريح يُقر بإلغائها، إلا أن اعتماد آليات تمويل بديلة، وتشجيع الشراكات مع القطاع الخاص، وإمكانية فرض رسوم في بعض المسارات أو الخدمات، كلها مؤشرات تُنذر بتحويل المجانية إلى استثناء بدل أن تكون قاعدة. بالنسبة للنقابات والمتابعين، هذا التوجه لا يمثل إصلاحا بل تحميلا غير مباشر لتكلفة التعليم للطلبة والأسر، في سياق اجتماعي يتسم أصلا بالهشاشة وارتفاع نسب البطالة في صفوف الخريجين.
من جهة أخرى، يتضمن المشروع تغييرات عميقة في نمط حكامة الجامعات، عبر تقوية صلاحيات الإدارة والوزارة على حساب المجالس الجامعية المنتخبة، وتقليص أدوار الأساتذة والطلبة في اتخاذ القرار. هذا التحول نحو حكامة مركزية وعمودية يُنظر إليه كضرب لمبدأ الاستقلالية الجامعية، وتحويل الجامعة إلى مؤسسة تُدار بعقلية إدارية-تقنية، بدل كونها فضاءً حرًا لإنتاج المعرفة والنقاش النقدي. ويخشى المعارضون أن يؤدي ذلك إلى تهميش البعد الأكاديمي لصالح منطق التدبير والنجاعة الرقمية والمؤشرات الكمية.
أما فيما يخص الموارد البشرية، فيُؤخذ على المشروع غموضه الكبير بشأن وضعية الأساتذة الباحثين، وعدم تقديمه لضمانات واضحة تتعلق بالاستقرار المهني، والتحفيز، وتطوير البحث العلمي. بل إن بعض مقتضياته تفتح الباب أمام مزيد من التعاقد والهشاشة، وهو ما يتعارض مع طبيعة الجامعة كمؤسسة استراتيجية تحتاج إلى كفاءات مستقرة ومؤطرة برؤية طويلة المدى. ويُنظر إلى هذا القصور كضعف واضح في الرؤية المتعلقة بتدبير الرأسمال البشري، رغم كونه العمود الفقري لأي إصلاح حقيقي.
إضافة إلى ذلك، يُسجل على المشروع تغييب شبه تام للحوار الاجتماعي الحقيقي، إذ جرى إعداده وتقديمه دون إشراك فعلي للنقابات والفاعلين الأكاديميين، ما خلق إحساسًا بالإقصاء وفرض الأمر الواقع. هذا الأسلوب، في نظر الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، يعكس مقاربة فوقية لا تنسجم مع خطاب الإصلاح ولا مع مبادئ الديمقراطية التشاركية التي يفترض أن تؤطر السياسات العمومية، خاصة في قطاع حيوي كالتعليم العالي.
و ترى الكونفدرالية الديمقراطية للشغل وعدد واسع من المتابعين أن مشروع قانون التعليم العالي لا يقدم حلولًا جذرية لأزمة الجامعة المغربية، بل ينقلها إلى مستوى أعمق عبر تغيير قواعد اللعبة نفسها، من خلال خوصصة متدرجة، وضرب المجانية، وإضعاف الاستقلالية، وتهميش الفاعلين الحقيقيين داخل الجامعة. لذلك، فإن حالة الغضب والرفض التي رافقت المشروع لا تُعد رد فعل ظرفي، بل تعبيرًا عن تخوف استراتيجي من فقدان الجامعة العمومية لدورها كرافعة للعدالة الاجتماعية والتنمية الفكرية، وتحويلها إلى مجرد أداة لإنتاج شهادات خاضعة لمنطق العرض والطلب.
![]()















