skymidaralto.com
شهدت سنة2025 اتخاذ إجراءات تأديبية غير مسبوقة في حق عدد من القضاة بالمغرب، حيث أعلن المجلس الأعلى للسلطة القضائية عن معاقبة 68 قاضيا من أصل 119 قاضيا خضعوا للمساءلة التأديبية، وذلك على خلفية اختلالات مهنية وسلوكية تم رصدها خلال عمليات التفتيش والتتبع. وقد تنوعت العقوبات الصادرة بين الإقصاء المؤقت، النقل التأديبي، التوقيف عن العمل، وصولا إلى التقاعد الحتمي، الذي يُعد من أقصى العقوبات التأديبية داخل المنظومة القضائية.
وتبرز خطورة هذه الأرقام في كونها تعكس، من جهة، حجم الاختلالات داخل الجهاز القضائي، ومن جهة أخرى، محاولة رسمية لإعادة فرض منطق الانضباط وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل مؤسسة يُفترض أن تكون حارسة للعدالة وسيادة القانون. فقد شملت العقوبات إحالة أربعة قضاة على التقاعد الحتمي بسبب أفعال جسيمة تتنافى مع أخلاقيات المهنة، إضافة إلى توقيف قاضٍ عن ممارسة مهامه، وإقصاء اثني عشر قاضيا مع النقل، بينما توزعت باقي العقوبات بين الإنذار والتوبيخ والعقوبات من الدرجة الأولى.
وتأتي هذه الإجراءات في سياق تزايد الانتقادات الموجهة لمنظومة العدالة في المغرب، خاصة في ظل تفشي مظاهر الفساد الإداري والرشوة واستعمال السلطة لأغراض شخصية، وهي مظاهر لم تعد محصورة في قطاعات إدارية بعينها، بل طالت، في بعض الحالات، مؤسسات يفترض فيها النزاهة والاستقلال، وعلى رأسها القضاء. وتشير تقارير وطنية ودولية إلى استمرار تراجع ثقة المواطنين في فعالية آليات محاربة الفساد، وتنامي الإحساس بالإفلات من العقاب، خصوصاً حين يتعلق الأمر بمسؤولين أو أصحاب نفوذ.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى العقوبات التأديبية المتخذة في حق القضاة كجزء من محاولة احتواء الأزمة، لكنها في الوقت نفسه تطرح تساؤلات جوهرية حول مدى عمق الإصلاح القضائي، وحدود الاكتفاء بالمساءلة التأديبية دون تفعيل المتابعات الجنائية في القضايا التي تتعلق بالرشوة أو استغلال النفوذ أو الإثراء غير المشروع. فغياب الشفافية حول طبيعة الأفعال المرتكبة، وعدم الإعلان عن تفاصيل الملفات، يضعف الأثر الردعي لهذه العقوبات ويؤثر سلباً على ثقة الرأي العام.
كما تكشف هذه المعطيات عن إشكالية بنيوية تتجاوز الأشخاص إلى المنظومة نفسها، حيث ما زال الربط الحقيقي بين المسؤولية والمحاسبة يواجه عراقيل قانونية ومؤسساتية. فمحاربة الفساد لا يمكن أن تنجح عبر إجراءات ظرفية أو انتقائية، بل تتطلب إرادة سياسية واضحة، وتفعيل القوانين الزجرية دون استثناء، وتعزيز آليات المراقبة والتفتيش، إلى جانب حماية المبلغين عن الفساد وتوسيع دور المجتمع المدني في التتبع والمساءلة.
معاقبة 68 قاضيا خلال سنة واحدة تمثل مؤشرا قويا على وجود اختلالات حقيقية داخل الجسم القضائي، لكنها في الوقت ذاته فرصة لإعادة بناء الثقة إذا ما تم التعامل معها كجزء من إصلاح شامل، لا يكتفي بالمعالجة التأديبية، بل يضع الفساد الإداري والرشوة واستعمال السلطة لأغراض شخصية في صلب المواجهة، ويجعل من ربط المحاسبة بالمسؤولية قاعدة لا استثناء، ضمانا لدولة الحق والقانون وترسيخا لعدالة مستقلة ونزيهة.
![]()















