skymidaralto.com
في السادس من فبراير من كل عام، تحل ذكرى وفاة أحد أبرز أعلام حركة التحرر في القرن العشرين، المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي (1882-1963) : قائد عسكري حقق انتصارات أسطورية، و مفكر سياسي ومؤسس لدولة حديثة، أصبح رمزا عالميا للنضال ضد الاستعمار. يحمل تاريخ حياته سردية معقدة عن المقاومة، البناء، السقوط، والنفي، تاركا وراءه إرثا لا يزال حيا في الذاكرة الجماعية.
وُلد الخطابي، المعروف محليا بلقب مولاي موحند ، في يناير 1882 في أجدير بالريف . جمع في تعليمه بين الأصالة والحداثة، فبدأ بحفظ القرآن ثم انتقل للدراسة في جامعة القرويين العريقة في فاس، ليتوج مسيرته الدراسية بالسفر إلى إسبانيا لدراسة القانون في جامعة سلمنكة. هذه الخلفية الفريدة أهّلته للعمل كمعلم للغة العربية، ثم كاتبا ومترجما، قبل أن يتولى منصب قاضي المسلمين في مدينة مليلية المحتلة، وهي خبرة عميقة أطلّ من خلالها على آليات الاستعمار من الداخل.
كان عام 1921 نقطة التحول الكبرى في مسيرته، وذلك بانتصاره الساحق في معركة أنوال التاريخية. حيث هزم جيشاً إسبانياً نظامياً قوامه 24 ألف جندي بقوة لا تتجاوز 5 آلاف مقاتل من قبائل الريف، في خطّة عسكرية بَرْهَنَت على عبقريته التكتيكية. لم يكن هذا الانتصار مجرد غزوة عسكرية، بل كان الحجر الأساس لمشروعه السياسي الطموح: تأسيس جمهورية الريف في سبتمبر من العام نفسه، وعاصمتها أجدير.
أسس الخطابي دولة بمؤسسات حديثة، وضعت دستورا وبرلمانا (الجمعية الوطنية)، وشكّلت جيشا نظاميا، ونظاما قضائيا وماليا متطورا. أكدت هذه الدولة الناشئة على هوية جامعة للإسلام والعروبة والأمازيغية، ورفعت شعار العدالة الاجتماعية. لكن هذا المشروع التحرري الوليد اصطدم بمصالح القوى الاستعمارية العظمى، حيث شكل تحالفاً إسبانياً-فرنسياً لسحقه. لجأ هذا التحالف إلى أبشع الأساليب، بما في ذلك القصف بالأسلحة الكيماوية (غاز الخردل) على السكان والمراعي، في جريمة حرب مروعة.
أمام هذا التفوق المدمر، استسلم الخطابي عام 1926 ليحفظ شعبه من الإبادة، ليبدأ رحلة نفي طويلة، أولا إلى جزيرة لارينيون ثم إلى مصر ابتداءً من منتصف الأربعينيات. هناك، تحول من قائد عسكري إلى رجل دولة ومنظر، وأسس لجنة تحرير المغرب العربي. ليصبح ملتقى ومرجعية لثوار العالم، منهم تشي جيفارا الذي قال له: أيها الأمير، لقد أتيت إلى القاهرة خصيصاً لكي أتعلم منك.
وافته المنية في منفاه بالقاهرة في 6 فبراير 1963.
إرث محمد بن عبد الكريم الخطابي يتجاوز حدود الزمان والمكان. فقد أصبحت تجربته في حرب العصابات وتحرير الأرياف منهجا درسه قادة مثل هوشي منه وفيديل كاسترو. أما في الداخل المغربي، فيظل شخصية مجادَلةً؛ فهو بطل قومي في الريف، بينما تتعامل الذاكرة الرسمية بحذر مع إرثه السياسي. تبقى قضيته، من معاركه الخالدة إلى طلب إعادة رفاته، جزءاً من حوار المغرب مع تاريخه وهوّيته. وهكذا، في كل ذكرى لرحيله، لا نتذكر مجرد رجل، بل نتذكر فكرة متجددة عن الحرية، الكرامة، وتحدي المستحيل.
![]()









