skymidaralto.com
لم يكن الاجتماع الحكومي المغربي الفرنسي الذي احتضنته العاصمة الرباط مجرد مناسبة بروتوكولية لتبادل التوقيعات والتقاط الصور، بل مثل محطة مفصلية في مسار العلاقات بين البلدين، بعد سنوات من التوتر الدبلوماسي الذي ألقى بظلاله على التعاون السياسي والاقتصادي.
ففي أقل من عامين على إعلان الشراكة الاستثنائية الوطيدة بين الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، انتقلت الرباط وباريس من مرحلة إعادة بناء الثقة إلى مرحلة تنزيل مشاريع استراتيجية على أرض الواقع، عبر توقيع اثنتي عشرة اتفاقية ومذكرة تفاهم تمس قطاعات تعد من أكثر القطاعات حساسية في الاقتصاد الحديث، وفي مقدمتها النقل، والطاقة، والصناعة، والتعليم، والاستثمار، والرقمنة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تمثل هذه الاتفاقيات مجرد تعاون اقتصادي اعتيادي، أم أنها تؤسس لتحالف استراتيجي جديد بين المغرب وفرنسا؟
شهدت العلاقات المغربية الفرنسية خلال الأعوام الماضية توترا غير مسبوق بسبب تباين المواقف في عدد من الملفات الإقليمية، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة مع اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء ودعمها لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية لتسوية النزاع.
هذا التحول السياسي أعاد الدفء إلى العلاقات الثنائية، ومهّد الطريق أمام إعادة إطلاق المشاريع المشتركة التي كانت مجمدة أو تسير بوتيرة بطيئة، وهو ما انعكس في الاجتماع الحكومي الأخير الذي ركز على الانتقال من التصريحات السياسية إلى تنفيذ برامج تعاون عملية.
القطار فائق السرعة.. أكثر من مجرد مشروع نقل
تصدرت السكك الحديدية قائمة الاتفاقيات الموقعة، في خطوة تؤكد أن فرنسا لا تزال ترى في المغرب شريكها الرئيسي في مشاريع النقل الكبرى داخل إفريقيا.
ولا يتعلق الأمر فقط بتوسيع شبكة القطار فائق السرعة، بل بإرساء تعاون طويل الأمد يشمل نقل التكنولوجيا، وتكوين المهندسين، وتطوير الصناعة المرتبطة بالنقل السككي.
ويرى متابعون أن هذه الاتفاقية تحمل بعدا استراتيجيا، إذ تعزز مكانة المغرب كبوابة لوجستية بين أوروبا وإفريقيا، وتمنح الشركات الفرنسية فرصة للحفاظ على موقعها في سوق يشهد نموا متسارعا.
الطاقة النظيفة.
ربما يكون قطاع الطاقة هو الأكثر أهمية ضمن الاتفاقيات الجديدة.
فالعالم يعيش سباقا نحو مصادر الطاقة منخفضة الكربون، بينما يبحث الاتحاد الأوروبي عن شركاء قادرين على توفير الكهرباء النظيفة والهيدروجين الأخضر.
ويمتلك المغرب مؤهلات طبيعية كبيرة بفضل موارده الشمسية والريحية، الأمر الذي يجعله مرشحا ليصبح أحد أبرز المنتجين للطاقة النظيفة في المنطقة.
أما فرنسا، فتسعى إلى تنويع مصادر الطاقة وتعزيز أمنها الطاقي، وهو ما يجعل التعاون مع المغرب خيارا استراتيجيا يتجاوز المصالح التجارية التقليدية.
الاستثمار والصناعة.
لم تعد فرنسا تنظر إلى المغرب كسوق لتصريف المنتجات فقط، بل كمنصة صناعية متكاملة قادرة على إنتاج السلع وتصديرها نحو أوروبا وإفريقيا.
ولهذا ركزت الاتفاقيات على تشجيع الاستثمار، ودعم الصناعات المتقدمة، وتوسيع التعاون في قطاعات السيارات والطيران والتكنولوجيا.
ويرى خبراء الاقتصاد أن هذا التوجه يعكس تحولا في طبيعة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، من علاقة قائمة على التبادل التجاري إلى شراكة إنتاجية تعتمد على سلاسل قيمة مشتركة.
التعليم والتكوين.
لم تغفل الاتفاقيات الجانب البشري، حيث خصصت حيزا مهما للتعليم العالي والبحث العلمي والتكوين المهني.
فالهدف المعلن هو إعداد كفاءات قادرة على مواكبة التحولات الصناعية والتكنولوجية، عبر تطوير البرامج الأكاديمية، وتبادل الطلبة والأساتذة، وإطلاق مشاريع بحثية مشتركة.
ويُنظر إلى هذا المحور باعتباره استثمارا طويل الأمد في رأس المال البشري، بما يخدم احتياجات الاقتصادين المغربي والفرنسي.
التحول الرقمي.
مع تسارع التحول الرقمي عالميا، اتفق البلدان على تعزيز التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والحكومة الإلكترونية.
وتعكس هذه الخطوة إدراكا مشتركا بأن التنافس الاقتصادي لم يعد يعتمد فقط على الموارد الطبيعية أو الصناعات التقليدية، بل على امتلاك التكنولوجيا والقدرة على تطويرها.
ماذا سيجني المغرب؟
اقتصاديا، يُتوقع أن تسهم الاتفاقيات في جذب استثمارات جديدة، وتوفير فرص عمل، وتسريع مشاريع البنية التحتية، وتعزيز الصادرات، ونقل التكنولوجيا، وتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني.
وسياسيا، تمنح هذه الاتفاقيات المغرب دعما من إحدى القوى الأوروبية الكبرى، وتعزز مكانته كشريك استراتيجي في قضايا الأمن والطاقة والتنمية.
وماذا تكسب فرنسا؟
في المقابل، تضمن فرنسا الحفاظ على موقعها كشريك اقتصادي أول للمغرب، وتفتح أمام شركاتها أسواقا واعدة في مشاريع البنية التحتية والطاقة والصناعة.
كما تمنحها هذه الشراكة موطئ قدم أقوى في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، في ظل المنافسة المتزايدة مع قوى دولية أخرى.
هل نحن أمام معاهدة تاريخية؟
رغم أهمية الاتفاقيات، فإنها لا ترقى بعد إلى مستوى معاهدة الصداقة والشراكة الاستراتيجية التي يجري الإعداد لها منذ أشهر.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن المعاهدة المرتقبة ستكون إطارا قانونيا وسياسيا شاملا ينظم العلاقات بين البلدين لعقود مقبلة، ويتجاوز الاتفاقيات القطاعية الحالية.
و تكشف الاتفاقيات الموقعة عن تحول عميق في طبيعة العلاقات المغربية الفرنسية. فلم يعد التعاون مقتصرا على ملفات تقليدية، بل امتد إلى قطاعات المستقبل مثل الطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي، والصناعة المتقدمة، والتكنولوجيا.
ويبقى نجاح هذه المرحلة مرهونا بقدرة الطرفين على تحويل الالتزامات الموقعة إلى مشاريع ملموسة، وبمدى التزامهما بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه ضمن رؤية استراتيجية طويلة الأمد.
وبينما يترقب المراقبون التوقيع على معاهدة الشراكة الاستراتيجية المرتقبة، تبدو الرباط وباريس اليوم أمام فرصة لإعادة صياغة واحدة من أهم العلاقات الثنائية في الفضاء المتوسطي، على أسس أكثر استقرارا وتوازنا، وبما ينسجم مع التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
![]()
















