.skymidaralto.com
تعيش موانئ جنوب إسبانيا، ولا سيما مينائي الجزيرة الخضراء Algeciras وطريفة Tarifa ، خلال صيف 2026 حركة مكثفة للمسافرين العائدين من المغرب، في إطار عملية مرحبا والمرحلة العكسية من عملية عبور المضيق. ومع ارتفاع أعداد المسافرين والسيارات، برزت من جديد مسألة تشديد عمليات التفتيش على الأمتعة والسيارات، وما يرافقها من حجز وإتلاف بعض المواد الغذائية التي يحاول المسافرون إدخالها إلى الأراضي الإسبانية.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن موانئ جنوب إسبانيا استقبلت خلال موسم العودة أعدادا ضخمة من المسافرين القادمين من المغرب. وحتى منتصف شهر غشت 2026، تجاوز عدد المسافرين الذين عبروا الموانئ الأندلسية في إطار عملية العبور مليوني مسافر، إلى جانب مئات الآلاف من السيارات، وكانت موانئ الجزيرة الخضراء وطريفة في مقدمة نقاط العبور الرئيسية. هذا الحجم الكبير من حركة المسافرين يفسر جزئيا كثافة عمليات التفتيش التي تقوم بها السلطات الإسبانية في هذه الفترة.
غير أن الحديث عن منع الجمارك الإسبانية للمغاربة من إدخال المواد الغذائية يحتاج إلى قدر كبير من الدقة. فالمعلومات الرسمية المتوفرة حتى غشت لا تثبت وجود قرار عام يمنع جميع المواد الغذائية التي يحملها المغاربة المقيمون في أوروبا معهم عند عودتهم من عطلتهم في المغرب، كما لم يتم العثور على قرار رسمي ينص على حظر عام لزيت الزيتون المغربي الذي يحمله المسافر في أمتعته الشخصية.
وتطبق إسبانيا، باعتبارها دولة عضوا في الاتحاد الأوروبي، قواعد أوروبية صارمة على دخول المنتجات الغذائية القادمة من الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ومن بينها المغرب. وتكون القيود أشد بالنسبة إلى المنتجات ذات الأصل الحيواني، مثل اللحوم والحليب ومشتقاته وبعض المواد الغذائية التي تحتوي على مكونات حيوانية. والهدف الأساسي من هذه القواعد هو حماية الصحة الحيوانية ومنع انتقال الأمراض إلى الاتحاد الأوروبي.
كما توجد قيود خاصة على الخضر والفواكه والنباتات والمنتجات النباتية. وتوضح وزارة الزراعة الإسبانية أن إدخال بعض المنتجات النباتية القادمة من خارج الاتحاد الأوروبي يخضع لشروط الصحة النباتية، وقد يتطلب الحصول على شهادة صحية نباتية، بينما توجد منتجات أخرى يمنع إدخالها دون استيفاء الشروط المطلوبة. وتنطبق هذه القواعد حتى عندما تكون المنتجات موجودة داخل أمتعة المسافر أو سيارته الخاصة.
وفي هذا السياق، فإن عمليات حجز وإتلاف المواد الغذائية عند الحدود ليست ظاهرة جديدة، وإنما تأتي في إطار تطبيق القواعد الجمركية والصحية والنباتية المعمول بها في الاتحاد الأوروبي وإسبانيا. وقد تم تسجيل حالات موثقة لحجز مواد غذائية عند الحدود الإسبانية وإتلافها عندما لا تستوفي الشروط القانونية المطلوبة. غير أن بعض هذه الحالات وقعت في حدود سبتة، ولا يمكن اعتبارها دليلا مباشرا على وجود قرار جديد خاص بمينائي الجزيرة الخضراء وطريفة.
أما بالنسبة إلى زيت الزيتون، فإن الموضوع يحتاج إلى تمييز واضح بين الاستيراد التجاري وبين ما يحمله المسافر معه للاستهلاك الشخصي. فلم يتم العثور، حتى الآن، على إعلان رسمي إسباني ينص على منع المسافر القادم من المغرب من إدخال زيت الزيتون بشكل عام. وفي المقابل، شددت إسبانيا خلال عام 2026 الرقابة على قطاع زيت الزيتون، خصوصا فيما يتعلق بالجودة، ومكافحة الغش، ومراقبة عمليات التسويق والتجارة. لكن هذه الإجراءات لا تعني تلقائيا أن زجاجة أو كمية محدودة من زيت الزيتون يحملها المسافر للاستهلاك العائلي أصبحت ممنوعة.
وتزداد حساسية الموضوع عندما تكون الكميات التي يحملها المسافر كبيرة جدا. ففي هذه الحالة قد ترى السلطات أن الأمر لا يتعلق بالاستهلاك الشخصي، وإنما بإدخال كمية ذات طبيعة تجارية، وهو ما يخضع لقواعد وإجراءات مختلفة. كما يمكن أن تثير طريقة تعبئة الزيت أو عدم وجود معلومات واضحة حول مصدره وطبيعته أو وجوده في عبوات غير مناسبة تساؤلات إضافية أثناء عملية التفتيش.
ومن هنا يمكن تفسير بعض حالات الحجز التي يتحدث عنها المسافرون العائدون من المغرب. فقد يكون الحجز متعلقا بكمية كبيرة من المنتجات، أو بمواد غذائية تخضع أصلا للحظر أو القيود الصحية، أو بمنتجات نباتية تحتاج إلى وثائق، أو بسلع ترى السلطات أنها تتجاوز نطاق الأمتعة الشخصية. لكن تحويل هذه الحالات إلى قاعدة عامة مفادها أن إسبانيا منعت المغاربة من إدخال الزيت والمواد الغذائية سيكون تبسيطا غير دقيق من الناحية القانونية.
كما أن ارتفاع عدد عمليات التفتيش خلال موسم العودة لا يعني بالضرورة وجود حملة تستهدف المغاربة تحديدا. فالقواعد الأوروبية المتعلقة بالمواد الغذائية والمنتجات الحيوانية والنباتية تطبق على المسافرين القادمين من دول خارج الاتحاد الأوروبي بصفة عامة، بغض النظر عن جنسيتهم. وما يجعل الموضوع أكثر وضوحا في موانئ الجنوب الإسباني هو العدد الكبير جدًا للمسافرين القادمين من المغرب خلال فترة قصيرة.
وتشير المعطيات المتعلقة بعملية العبور لعام 2026 إلى أن ميناء الجزيرة الخضراء استقبل وحده أعدادا ضخمة من المسافرين والسيارات العائدة من المغرب، بينما يمثل ميناء طريفة أيضًا إحدى أهم نقاط العبور. ومع وصول حركة العبور إلى ذروتها خلال فصل الصيف، يصبح من الطبيعي أن ترتفع عمليات التفتيش الجمركي والصحي وأن تظهر حالات أكثر لحجز المنتجات المخالفة.
وبناء على المعطيات المتوفرة، يمكن القول إن هناك بالفعل عمليات تفتيش وحجز وإتلاف لمواد غذائية عند الحدود الإسبانية، وإن بعض المواد التي يحملها المسافرون العائدون من المغرب يمكن أن تكون ممنوعة أو مقيدة أو خاضعة لشروط خاصة. لكن لا توجد، حتى الآن، أدلة رسمية كافية للقول بوجود قرار شامل يمنع المغاربة المقيمين في أوروبا من إدخال المواد الغذائية أو زيت الزيتون عند عودتهم من عطلتهم في المغرب.
وتبقى النقطة الأكثر أهمية هي التمييز بين المواد الممنوعة، والمواد التي تحتاج إلى وثائق أو شروط صحية، والكميات الشخصية، والكميات التي قد تعتبر تجارية. فهذا التمييز هو الذي يحدد ما إذا كان للمسافر الحق في الاحتفاظ بالمنتج أم يمكن للسلطات حجزه وإتلافه.
وعليه، فإن الصورة الحالية تشير إلى تشديد الرقابة وتطبيق صارم للقواعد الأوروبية والإسبانية في موانئ جنوب إسبانيا، وليس إلى حظر شامل يستهدف المغاربة أو زيت الزيتون المغربي تحديدا. وأي ادعاء بوجود قرار جديد يمنع بشكل عام إدخال زيت الزيتون أو جميع المواد الغذائية يحتاج إلى الاستناد إلى قرار رسمي محدد صادر عن السلطات الإسبانية أو الأوروبية، وليس فقط إلى شهادات المسافرين أو منشورات مواقع التواصل الاجتماعي.
وبالنسبة إلى المغاربة المقيمين في أوروبا، فإن الاحتياط الأفضل عند العودة من المغرب هو معرفة القواعد الخاصة بكل منتج قبل وضعه في السيارة، وتجنب حمل كميات كبيرة قد تُفسر على أنها ذات طبيعة تجارية، خصوصا بالنسبة إلى اللحوم ومنتجات الألبان والخضر والفواكه والنباتات والمنتجات التي تخضع لرقابة صحية أو نباتية. أما زيت الزيتون، فلا ينبغي التعامل معه باعتباره ممنوعا بشكل عام ما لم تكن الكمية أو طريقة إدخاله أو ظروفه تخضع لقيود أخرى.
وفي النهاية، فإن عمليات الحجز والإتلاف التي تحدث في الموانئ الإسبانية تستند في الأصل إلى تطبيق قواعد جمركية وصحية ونباتية أوروبية، وليس إلى جنسية المسافر. ولذلك فإن السؤال الأساسي بالنسبة إلى كل مسافر ليس هل أنا مغربي؟، وإنما ما المنتج الذي أحمله، وما كميته، وهل يسمح القانون بإدخاله إلى الاتحاد الأوروبي للاستهلاك الشخصي؟.
![]()















