حينما يصبح الحزب طاكسي و المقعد غنيمة

Admin Sa.El6 سبتمبر 2026Last Update :
حينما يصبح الحزب طاكسي و المقعد غنيمة

skymidaralto.com

ها قد اقترب موسم الانتخابات، ذلك الموسم العجيب الذي تنبت فيه الوعود كما ينبت العشب بعد المطر، وتتكاثر فيه صور المرشحين أكثر من صور المناسبات العائلية، ويكتشف فيه بعض السياسيين، بقدرة خارقة على الإلهام، أنهم كانوا طوال حياتهم يفكرون في المواطن.

يا لها من مصادفة! المواطن الذي لم يتذكره أحد طوال أربع سنوات يصبح فجأة أخي العزيز، وشريكنا في التنمية، و صاحب القرار، و صاحبنا في النضال، ولا بأس إن تغير الحزب الذي يخاطبه من خلاله المرشح، فالمهم أن يبقى المواطن مواطنا، وأن يبقى الصندوق الانتخابي صندوقا. أما الحزب، فله حكاية أخرى.

لقد بدأت بعض الأحزاب تبدو، في نظر بعض الطامحين إلى البرلمان، مثل سيارات الأجرة: المهم أن توصلك إلى المكان الذي تريد. فإذا لم توصلك السيارة الأولى، تنزل منها وتستقل الثانية، وإذا وجدت الثالثة أسرع فلا حرج، وفي النهاية المهم هو الوصول إلى الكرسي. أما السؤال: هل تتفق مع السائق في الاتجاه؟ فهذا سؤال فلسفي زائد عن الحاجة.

في السياسة المحترمة، ينضم الإنسان إلى حزب لأنه يؤمن بفكرة، يدافع عنها، ويتحمل من أجلها الخسارة، ويعارض عندما تختلف مواقفه مع القيادة، ويصبر سنوات حتى تأتي لحظة الانتخابات. أما في السياسة التي تحولت إلى سوق للمواقع، فقد أصبح السؤال مختلفًا: فين كاينة التزكية؟ وهذا سؤال أكثر واقعية بكثير. لماذا تضيع وقتك في قراءة المرجعية الفكرية للحزب إذا كانت التزكية ستذهب إلى شخص آخر؟ ولماذا تحفظ البرنامج السياسي إذا كان المقعد يحتاج إلى نفوذ أكثر مما يحتاج إلى أفكار؟ ولماذا تتحدث عن اليسار واليمين والليبرالية والمحافظة والعدالة الاجتماعية إذا كان بإمكانك أن تختصر الطريق كله في جملة واحدة: أنا مع المصلحة العامة؟ والمصلحة العامة، كما نعرف، كائن سياسي مرن جدا، يمكن أن يسافر معك من حزب إلى حزب، ولا يحتاج حتى إلى حقيبة سفر. تخيلوا معي ذلك المناضل الذي قضى عشرين عاما داخل الحزب، حضر الاجتماعات، ووزع المنشورات، ودافع عن الحزب في المقاهي، واختلف مع خصومه، وتحمل الخسائر الانتخابية، وحفظ الشعارات أكثر مما حفظ أرقام هاتف عائلته، ثم جاء يوم التزكيات، فطرق الباب وقال: أنا هنا . فيُقال له: شكرًا على نضالك . فيسأل: ومن سيترشح؟ فيجيبه صوت من الداخل: واحد آخر . من هو؟ وافد جديد . مناضل؟ -لا .

– منخرط منذ سنوات؟

-لا.

-له تجربة تنظيمية؟

– ليس كثيرًا.

– إذن لماذا هو؟ يسود الصمت لحظات، ثم تأتي الإجابة السياسية السحرية:

– -عندو الحظوظ. وهنا ينبغي للمناضل القديم أن يصفق، فقد اكتشف أخيرا أن عشرين سنة من النضال يمكن أن تخسر أمام كلمة واحدة: الحظوظ. وهناك رجل آخر، قضى عمره في عالم الأعمال، يعرف جيدا كيف يحسب الأرباح والخسائر، يدخل السياسة فجأة فيكتشف أن أكبر خسارة في حياته كانت عدم دخوله إليها مبكرا. وفجأة يصبح شديد الاهتمام بالفقراء، وبالأحياء الهامشية، وبالشباب، وبالنساء، وبالمستشفيات، وبالمدارس، وبكل الأشياء التي لم تكن موجودة في دفتر أعماله قبل أن يقترب موعد الاقتراع. وبطبيعة الحال، ليست المشكلة أن يمتلك المرشح المال، فالثراء ليس جريمة، ورجل الأعمال ليس بالضرورة انتهازيا، والغني يمكن أن يكون وطنيا وصاحب مشروع حقيقي، لكن المواطن من حقه أن يسأل سؤالا بسيطا جدا:

– أين كان هذا الحب للفقراء عندما لم تكن هناك انتخابات؟ لماذا لا نسمع هذه اللغة إلا عندما تبدأ المهرجانات الخطابية؟ لماذا يصبح الشعب حاضرا بقوة في الخطب، ثم يتحول إلى رقم انتخابي بعد انتهاء الاقتراع؟ ولماذا يصبح الحي الذي لم يزره المرشح طوال أربع سنوات فجأة قلعة النضال ؟ يا سبحان مغير الأحوال! ثم تبدأ الحملة الانتخابية، موسم آش خاصك العريان؟ ، فيظهر المرشح في الأسواق، يصافح الباعة، يجلس مع المواطنين، يشرب الشاي، يستمع إلى مشاكلهم، يهز رأسه بتأثر ويقول: عندكم الحق. المواطن يشرح مشكلة الماء: عندكم الحق . يتحدث عن البطالة، يتحدث عن المستشفى عن المدرسة، عن الطرق. و الاجوبة كلها عندكم الحق وفي نهاية اللقاء يسأله المواطن السؤال الذي يفسد عادة كل الخطابات:

– -وآش غادي تدير؟. يصمت المرشح قليلا، ينظر إلى الأفق وكأنه يستحضر برنامجا حكوميا كاملا من الذاكرة، ثم يبتسم ابتسامة رجل دولة ويقول:

– غادي نخدمو على هاد الشي. وهكذا تنتهي القمة الدولية. لا أحد يعرف ماذا يعني غادي نخدمو على هاد الشي ، لكن الجميع يشعر أن الاجتماع كان ناجحا. المشكلة ليست أن يكون للمرشح مال أو علاقات أو نفوذ، فكل هذه الأمور قد تكون أدوات مشروعة في العمل السياسي، وإنما المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الأدوات إلى معيار شبه وحيد للصعود، وعندما يصبح صاحب الفكرة عاجزا عن المنافسة أمام صاحب الإمكانيات، وعندما يصبح الحزب مهتما بمن يستطيع الفوز أكثر من اهتمامه بمن يستطيع التشريع، وعندما يصبح المرشح مهتما بالمقعد أكثر من اهتمامه بالمشروع، وعندما يصبح المواطن مجرد كتلة انتخابية. عندها تصبح الديمقراطية أمام سؤال غريب: من لديه أفضل فكرة؟ ثم يأتي السؤال الواقعي: من لديه أفضل ماكينة انتخابية؟ وبين السؤالين مسافة شاسعة. أما الترحال الحزبي، فهو حكاية أخرى. أجمل ما في الترحال السياسي أن المسافر لا يعترف عادة بأنه سافر، فهو فقط راجع قناعاته، و وجد نفسه في مشروع آخر ، واختار الإطار الأنسب لخدمة المواطنين ، واتخذ قرارًا مسؤولا ، وانسجم مع تطلعات الساكنة . والساكنة، المسكينة، لم تُستشر. لكن لا بأس، فالسياسي يعرف مصلحة الساكنة أكثر من الساكنة نفسها. وهكذا يصبح الانتقال من حزب إلى حزب فعلا فلسفيا عميقا؛ الرجل لا يغير الحزب، بل يعيد تعريف نفسه. ولو انتقل غدا إلى حزب ثالث فسيكون ذلك لأن المصلحة العامة تقتضي ، ولو انتقل بعد غد إلى حزب رابع فسنكتشف أن المرحلة السياسية تغيرت ، ولو عاد إلى الحزب الأول فسيقال لنا إن الظروف تغيرت ، أما القناعة فتبقى ثابتة جدا، ثابتة لدرجة أنها تتبع السيارة التي تقل صاحبها. وفي وسط كل هذا الضجيج ينبغي أن نتذكر شيئا بسيطا: البرلمان ليس وكالة عقارية، وليس ملكية خاصة، وليس عقارا يُشترى ثم يُستثمر، وليس منصة لصناعة النفوذ الشخصي، وإنما مؤسسة يفترض أن يكون دورها التشريع والرقابة وتمثيل المواطنين. المقعد البرلماني ليس مكافأة على النجاح المالي، ولا جائزة لمن يملك أكبر عدد من العلاقات، ولا ترقية أوتوماتيكية لرجل الأعمال الناجح، ولا شهادة تقدير لمن يستطيع جمع الأصوات، إنه تكليف. والمشكلة أن البعض يريد التعامل معه كأنه امتياز. وهنا ينقلب المعنى كله، فالذي يرى المقعد تكليفا يسأل: ماذا سأقدم؟ ، والذي يراه امتيازا يسأل: ماذا سأحصل؟، والفرق بين السؤالين هو الفرق بين رجل سياسة ورجل يبحث عن السلطة. أما الناخب، فليس كليان . في لغة التسويق هناك الزبون، وفي لغة الانتخابات هناك الناخب، لكن الناخب ليس زبونا. لا ينبغي أن تكون علاقته بالسياسي مثل علاقة الزبون بالبائع: أعطني صوتك وأعطيك وعدا ، ثم تنتهي الصفقة. المواطن لا يبيع صوته، هو يمنح تفويضا، وهذا التفويض مشروط بالثقة. لكن حين يشعر المواطن أن المرشح يريده فقط يوم الاقتراع، فإنه يبدأ في التعامل مع الانتخابات بمنطق السوق نفسه: وأنا ماذا سأستفيد؟ ، وهنا تكون الديمقراطية قد دخلت أخطر مراحلها، لأن السياسة حين تفقد بعدها الأخلاقي يبدأ الصوت الانتخابي في التحول من أداة للمواطنة إلى ورقة للمساومة. والأغرب أن الجميع تقريبا يتحدث عن التغيير، كل مرشح يريد التغيير، كل حزب يريد التغيير، كل لائحة تريد التغيير، كل خطاب يبدأ بالتغيير، لكن هناك تغييرا واحدا لا يريد أحد الحديث عنه: تغيير طريقة التفكير في السياسة نفسها. لأن التغيير الحقيقي ليس أن نستبدل وجها بوجه، ولا أن نغير لون الحزب، ولا أن ننقل مرشحا من لائحة إلى أخرى، وإنما أن يصبح السؤال: ما المشروع الذي يحمله هذا الشخص؟ بدل: شحال من صوت يجيب؟ ، وأن نسأل: ما الذي فعله خلال السنوات الماضية؟ بدل: شحال عندو من النفوذ؟ ، وأن نسأل: ما علاقته بالحزب وأفكاره؟ بدل: هل يستطيع الفوز؟ . فالثروة ليست عيبا، ورجل الأعمال ليس بالضرورة فاسدا، والسياسي الذي يغير حزبه ليس بالضرورة بلا مبادئ في كل حالة، لكن الخطر يبدأ عندما تصبح الثروة والنفوذ الشخصي معيارا شبه وحيد للصعود السياسي، وعندما يصبح الحزب مهتمًا بمن يستطيع الفوز أكثر من اهتمامه بمن يستطيع التشريع، وعندما يصبح المرشح مهتما بالمقعد أكثر من اهتمامه بالمشروع، وعندما يصبح المواطن مجرد رقم في جدول الحسابات. حينها لا نكون أمام سياسة تنافسية صحية، بل أمام شيء أقرب إلى بورصة للنفوذ ترتدي بدلة ديمقراطية. وربما السؤال الحقيقي ليس: من يشتري المقعد؟ ، بل: من يدفع ثمن هذا المقعد؟ . فإذا دفعه السياسي من ماله فقد يعتبره استثمارا، وإذا دفعه الحزب من رصيده فقد يعتبره صفقة، لكن إذا دفعه المواطن من ثقته، ومن صبره، ومن آماله، ومن حقه في تمثيل حقيقي، فهنا تصبح المسألة أخطر بكثير، لأن المقعد البرلماني لا ينبغي أن يكون غنيمة لمن يستطيع الوصول إليه، ولا جائزة لمن يملك ماكينة انتخابية أقوى، ولا محطة في رحلة البحث عن النفوذ، إنه مقعد يجلس عليه شخص نيابة عن المواطنين. ولهذا ربما حان الوقت لكي نعيد ترتيب الأسئلة، ليس: من يملك المال؟ ولا من يملك النفوذ؟ ولا من يستطيع جمع الأصوات؟ بل من يملك مشروعًا؟ ومن يملك الشجاعة ليقول لا عندما تكون نعم أكثر ربحا؟ ومن يستطيع أن يبقى في حزبه عندما لا تمنحه التزكية؟ ومن يستطيع أن يخسر الانتخابات دون أن يبيع قناعته؟ ومن يستطيع أن يدخل البرلمان وهو يعرف أن المقعد ليس ملكه؟ لأن أخطر سياسي ليس ذلك الذي يغير الحزب، ولا ذلك الذي يبحث عن التزكية، بل ذلك الذي يدخل البرلمان معتقدا أن الناخب اشترى له مقعدا، بينما هو في الحقيقة منحه أمانة. وفي انتظار أن تنضج هذه الثقافة السياسية، سيستمر موسم الانتخابات، سترفع اللافتات، وستطبع الصور، وستتغير الألوان، وستظهر تحالفات جديدة، وسيسافر بعض السياسيين من حزب إلى آخر بحثًا عن( الإطار الأنسب ) ، أما المواطن فسيجلس في مكانه، ينظر إلى كل هذا الحراك، ثم يقول بلهجته البسيطة التي تختصر كتابا كاملا في العلوم السياسية: آش من حزب؟ المهم شكون غادي يخدم البلاد بصح؟. وهذا، في الحقيقة، هو السؤال الوحيد الذي يستحق أن يُطرح. أما الكراسي، فالكراسي لا تنقص؛ الذي ينقص هو من يستحق الجلوس عليها.

 

Loading

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
Translate »