Warning: Undefined array key "color" in /home/skymidar/public_html/wp-content/themes/amnews/includes/load-styles.php on line 586

Warning: Undefined array key "border" in /home/skymidar/public_html/wp-content/themes/amnews/includes/load-styles.php on line 587

مستشفى ميضار: حين ينتصر دفء الإنسان على قسوة الظروف

Admin: Said El27 أكتوبر 2026Last Update :
مستشفى ميضار: حين ينتصر دفء الإنسان على قسوة الظروف

skymidaralto.com

 سعيد القدوري

شهادة إنسانية عن طبيب شاب أعاد إلى مهنة الطب شيئا من معناها النبيل، وجعل من التواضع والرحمة علاجا آخر للألم :  الدكتور فخري هشام

كان ذلك في أعقاب صلاة الفجر، حين باغتت والدتي نوبة غيبوبة مفاجئة، فبدد الحدث سكينة الصباح وألقى بي في دوامة من الخوف والقلق. ولم تمضِ سوى لحظات حتى وجدتني على متن سيارة الإسعاف، في طريقنا إلى مستشفى ميضار، أرافق أمي وقلبي معلّق بين الدعاء والأمل، مترقبا أن تستعيد عافيتها وأن تمر تلك اللحظات العصيبة بسلام.

في مثل هذه اللحظات، لا يحمل الإنسان معه إلى المستشفى جسدا مريضا فحسب، بل يحمل أيضا حزمة من الهواجس والأسئلة والانتظارات، متشبثا بأمل صغير في أن يجد من يخفف عنه وطأة ما يعيشه.

كان الصباح لا يزال في بدايته، والحركة داخل المستشفى محدودة، ولم يكن هناك، بحسب ما عاينته، سوى شخص واحد يتولى المداومة وممرض شاب في بداية مساره المهني. فوجئت بنظافة المكان ، والتعامل  بالاحترام وحسن الاستقبال، وهي تفاصيل قد تبدو بسيطة في الظروف العادية، لكنها تكتسب قيمة أكبر حين يأتي المرء مثقلا بالخوف، يبحث عن الرعاية والطمأنينة قبل أي شيء آخر.

انتظرنا بعض الوقت، إلى أن ظهر الطبيب الشاب. كان في ملامحه شيء من الود، وفي حضوره هدوء يبعث على الارتياح. استقبلنا بالتحية، واستفسر عن الحالة، وكان في طريقة حديثه وإنصاته ما جعلني أشعر بأنني أمام إنسان يدرك أن المريض ليس مجرد حالة طبية، وأن الشخص المرافق له ليس مجرد فرد ينتظر خارج دائرة العلاج، بل إنسان آخر ينهشه القلق ويحتاج بدوره إلى كلمة طيبة ونظرة مطمئنة.

كان الدكتور هشام مثالا في الأخلاق والتواضع. ولعل ما يستحق التوضيح هنا أنني لم ألتقِ به قط قبل ذلك الصباح، ولم أكن قد سمعت عنه من قبل. لم تكن بيننا معرفة سابقة، ولم أكن أحمل عنه أي انطباع مسبق، بل تشكّلت صورته في ذهني من خلال ما عشته ولمسته بنفسي في ذلك الموقف. كان هادئا في حديثه، لطيفا في حضوره، قريبا من الناس، كأنما يعرف بالفطرة أن بعض الآلام لا تحتاج إلى دواء وحده، وإنما إلى قلب يحسن الإصغاء، وكلمة ترد إلى النفس شيئا من توازنها المفقود.

وفي غمرة انشغالي بصحة والدتي، وجدتني أستعيد فكرة طالما راودتني كلما تأملت واقع منطقتنا؛ فبين قسوة الطبيعة، وهشاشة البنية التحتية، وصعوبة العيش، تظل هناك وجوه شابة قادرة على منح الإنسان شعورا بالأمان، وإعادة شيء من الثقة إليه. وجوه لا تغيّر وحدها واقع المؤسسات، ولا تستطيع بإمكاناتها الفردية أن تعالج اختلالات المنظومة الصحية، لكنها تثبت أن داخل هذه المؤسسات طاقات بشرية تستحق التقدير، وأن الأمل لا يزال ممكنا حين تتوافر الكفاءة الإنسانية إلى جانب المسؤولية المهنية.

ولعل أكثر ما ترك في نفسي أثرا لم يكن مجرد الاستقبال الحسن أو هدوء الطبيب، بل ما حدث بعد ذلك. فقد احتجت إلى التوجه إلى مختبر التحاليل، وكانت المسافة بعيدة، ولم تكن هناك وسيلة نقل متاحة تساعدني على الوصول إليه بسهولة. وفي وقت كان يمكن فيه أن يكتفي الطبيب بأداء ما تقتضيه مهمته داخل المستشفى، بادر الدكتور هشام إلى إيصالي بنفسه إلى المختبر، مراعيا ظروفي، ومدركا أنني كنت منشغلا بحالة والدتي، وأن كل عقبة إضافية قد تزيد من ثقل اللحظة عليّ.

 

قد تبدو هذه المبادرة صغيرة في نظر البعض، لكنها بالنسبة إلى شخص يعيش قلق المرض، ويجد نفسه أمام صعوبات التنقل وضغط الانتظار، كانت موقفا إنسانيا بالغ الدلالة. فليس كل ما يخفف الألم يُقاس بوصفة طبية، وليس كل ما يمنح الطمأنينة يحتاج إلى أجهزة أو تجهيزات؛ أحيانا يكفي أن يبادر إنسان إلى مساعدة إنسان آخر، دون ضجيج أو استعراض، ليترك في نفسه أثرا لا تمحوه الذاكرة بسهولة.

غادرت تلك اللحظات وأنا لا أزال أحمل همّ صحة والدتي، فالقلق على الأم لا تبدده الكلمات بسهولة، ولا يستطيع موقف جميل أن يلغي الخوف من المجهول. لكن شيئا في داخلي كان قد تغيّر. شعرت بأن مهنة الطب، رغم ما قد يحيط بممارستها من صعوبات وإكراهات، قادرة على أن تظل رمزا للحنان وسمو الأخلاق، حين يمارسها أصحابها بروح إنسانية، ويستحضرون أن وراء كل ملف طبي حكاية إنسان، ووراء كل مريض أسرة تنتظر، ووراء كل انتظار قلبا يرتجف.

إن ما عشته داخل مستشفى ميضار ليس حكما شاملا على أداء المؤسسة أو تقييما لكل خدماتها، بل هو شهادة مواطن عن موقف يستحق أن يُروى، وعن طبيب شاب ترك في نفسه أثرا طيبا بما أبداه من تواضع واهتمام ومبادرة.

ولعل ما يمنح هذه الشهادة معناها الحقيقي أنني لم ألتقِ الدكتور هشام قط قبل ذلك الصباح، ولم أكن قد سمعت عنه من قبل، ولم تربطني به أي معرفة أو علاقة شخصية. لم أكن أعرف اسمه، ولا شيئا عن مساره المهني، ولم أكن أحمل في ذهني صورة مسبقة عنه. كل ما في الأمر أنني وجدت نفسي، في لحظة قلق وخوف على صحة والدتي، أمام طبيب اختار أن يجعل من حسن الخلق والتواضع والمبادرة عنوانا لتعامله مع الناس.

لذلك، فإن ما أكتبه اليوم ليس مجاملة لصديق، ولا ردّا لجميل سابق، ولا محاولة لتلميع صورة أحد، بل هو شهادة مواطن صادف إنسانا في موقع المسؤولية، فوجد في سلوكه ما يستحق التنويه والتقدير.

إنها شهادة صنعتها لحظة عابرة، لكنها تركت أثرا عميقا في النفس، لأن المواقف الصادقة لا تحتاج إلى سابق معرفة، ولا إلى توصية من أحد، حتى تكشف معدن أصحابها.

فمن حقنا أن نتحدث عن أوجه النقص التي تعاني منها مؤسساتنا الصحية، وأن نطالب بتحسين التجهيزات، وتوفير الموارد البشرية، وضمان وسائل النقل والخدمات الضرورية، لأن كرامة المواطن وحقه في العلاج لا ينبغي أن يظلا رهينين بالمصادفة أو بحسن تصرف فرد بعينه. لكن من الإنصاف أيضا أن نتوقف عند النماذج الإيجابية، وأن نمنح أصحابها كلمة تقدير، حتى لا تصبح الأخبار السيئة وحدها هي ما يستحق التداول، وحتى لا تضيع المبادرات الإنسانية وسط ضجيج الشكاوى والانتقادات.

رسالتي إلى كل طبيب، وكل ممرض، وكل موظف عمومي، وكل شخص يتولى مسؤولية خدمة المواطنين: حاولوا أن تحذوا حذو الأستاذ هشام، لا لأن الكمال حكر على شخص، بل لأن احترام الناس والتواضع في التعامل معهم والمبادرة إلى مساعدتهم قيم ينبغي أن تكون جزءا أصيلا من ثقافة المرفق العمومي. فالمواطن الذي يقصد المستشفى أو الإدارة لا يأتي دائما في ظروف عادية؛ قد يأتي مريضا، أو خائفا على قريب، أو مثقلا بمشكلات الحياة، ولا يحتاج بالضرورة إلى امتيازات أو معاملة استثنائية، بقدر ما يحتاج إلى أن يُعامل بكرامة، وأن يجد من يصغي إليه، وييسر له ما استطاع، ويشعره بأنه إنسان قبل أن يكون رقما في سجل أو ملفا فوق مكتب.

إن الأستاذ هشام، بالنسبة إليّ، لم يكن مجرد طبيب التقيته في مستشفى ميضار، بل كان مثالا حيا على أن الأثر الطيب لا تصنعه المناصب وحدها، وإنما تصنعه الطريقة التي نمارس بها مسؤولياتنا. وقد لا يدرك المرء حجم الأثر الذي يتركه في الآخرين؛ فقد يعتبر مبادرته أمرا عاديا، بينما يراها شخص يعيش الخوف والقلق موقفا إنسانيا لا يُنسى.

إن الإشادة بالدكتور هشام لا تعني أن الطريق نحو خدمة صحية أفضل قد اكتمل، بل تعني أن الإنسان يظل عنصرا أساسيا في جودة هذه الخدمة، وأن التواضع وحسن المعاملة ليسا ترفا أخلاقيا، بل جزء من الرعاية نفسها. فالنقد ضرورة للإصلاح، لكن الإنصاف ضرورة كذلك، ولا يمكن لمجتمع أن يتقدم إذا كان يكتفي بتسليط الضوء على مواطن الخلل، ويتجاهل النماذج التي تستحق أن يُحتذى بها.

في هذا الصباح، لم أكن أبحث عن أكثر من علاج لوالدتي، وعن بعض الطمأنينة وسط الخوف. لكنني وجدت، إلى جانب ذلك، درسا بسيطا وعميقا:

 قد تعجز الإمكانات عن توفير كل شيء، وقد تتأخر الحلول التي ينتظرها المواطن، غير أن الإنسان حين يضع ضميره في صميم عمله يستطيع أن يجعل المكان أقل قسوة، والانتظار أقل إيلاما، والخوف أقل وحدة.

تحية تقدير للأستاذ هشام، ولكل الأطر الصحية والإدارية التي تؤمن بأن الوظيفة ليست مجرد منصب أو راتب، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية تجاه الناس.

ففي نهاية المطاف، قد ينسى المرء بعض تفاصيل العلاج، وقد لا يتذكر كل لحظات الانتظار، لكنه نادرا ما ينسى اليد التي امتدت إليه في وقت الحاجة، والوجه الذي استقبله باحترام، والإنسان الذي جعله يشعر، ولو للحظات، بأنه ليس وحده في مواجهة الألم.

لم أكن أعرف الأستاذ هشام، ولم أسمع عنه من قبل، لكن موقفا واحدا كان كافيا لأكتب عنه. فحين يكون السلوك شاهدا، لا تحتاج الشهادة إلى معرفة سابقة، وحين يكون الخلق نبيلا، يصبح من الإنصاف أن نرويه للناس، لعلّه يتحول من موقف فردي جميل إلى ثقافة عامة نطمح إلى أن تسود في مؤسساتنا ومجتمعنا.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News