سكاي ميضار ألطو
صباح خريفي بارد، جعل ابنتي نيسا تتمسك بفراشها وتختفي تحت غطائها كلما نادتها زوجتي مطالبة يأن تجهز نفسها وترتدي ملابسها للتوجه إلى المدرسة.
” لا لا أريد .. أود البقاء في الدار .. ليس لدي رغبة في المدرسة”
” بالطبع لا ” تقول زوجتي فيتردد صدى نبرتها الغاضبة إليّ بينما أضع الغطاء على رأسي ، ربما لأتحاشى سماع ” عبدالإله عليك ان تنقلها إلى المدرسة.. لا يمكنني مرافقتها بالدراجة .. خطر التزحلق وارد بفعل الصقيع الملتصق بالطرقات”
” هيّا الوقت ينفذ . إلى المطبخ لتناول فطورك المفضل . حليب بحبات الذرة المعسلة.”
لقد غابت نيسا عن المدرسة لمدة يومين بسبب الزكام، وقد جعلها هذا الأمر ، إضافة إلى توقف معلمتها عن العمل بسبب الضغط العملي أو لأسباب أخرى، تشعر بشيء من الاغتراب وهذا الشعور هو ما عجّل بانهمار دموعها بينما تترقب مديرة المدرسة التي عوضت المعلمة الغائبة، قدوم نيسا نحوها بعد ان علقّت معطفها وناولتني قفازاتها الصوفية.
تنتظر السيدة وقد طال انتظارها بعد آخر تلميذ صافحها قبل ان يلتحق بمقعده.
“تعالي نيسا سنمشي معا نحو معلمتك ” بعد خطوات قليلة وقبل ان تمد يدها لتصافحها ، قلت:
” نيسا أود ان أطلب طلبا لمعلمتك”
سكتت والدمع في عينيها بينما تتأمل المعلمة رأسي المقلوب.
” هل بإمكاني ان أصافح معلمتك؟ أنا لم أصادف يوما معلما يصافحني قبل أن أدخل القسم والتحق بمقعدي” قلت:
مدت المديرة، المعلمة يدها الي وصافحتني بينما توجه نظرتها إلى عيني. هكذا يحرصون على السلام هنا. أن لا تتحاشى النظر إلى عيناي من يصافحك. سلوك لتعزيز الثقة في النفس أعتقد. بعد ان صافحتها توجهت إلى نيسا بسؤال
” هل يمكنني ان اجلس على مقعد أيضا ، كما تعلمين فأنا قوي في مادة الرياضيات والدليل ان واحد زائد واحد يساوي ثلاثة”
ضحكت نيسا وتساقطت دمعة ملتصقة بخدها.
” كما أن إثنان زائد ثلاثة تساوي عشرة اليس كذلك !!” ضحكت نيسا أكثر فبدت لي قهقهتها كمحرك ديزل انبعثت فيه الحركة بعد ليلة باردة.
التحقت بمقعدها وتناولت كتابا بعد جلوسها. قراءة الكتب أول ما يفتتحون به الحصة وقد تناول الجميع كتابا وجعلوا يقرؤون بتركيز.
القراءة تعليم ، تربية منذ الصغر. غالبا ما تتعجبون كيف يستطيع احدهم القراءة وهو جالس في الميترو او مكان لا يدعو بتاتا للراحة. يقرأ وهو في وضعية تبدو غريبة. انها التربية على القراءة ما يجعل امكانية حدوثها ، منفصلة كلية عن المحيط، لأنها فعل ذاتي منبعث من دواخل القارئ، بحيث لا يستطيع على لوعته صبرا.
بلغت الدار وبمجرد ان خاطبتني جارتي معلنة برودة الطقس ، قلت
” أعشق هذا البرد. على الطبيعة ان لا تغير طبعها . لكل فصل حرارته ”
” أنا ايضا اعشق هذا البرد ، رغم ان الكثيرين يتأففون لغياب الشمس” تقول الجارة
بدا لي زوجها الستيني المتقاعد ، متوجها برفقة كلبه نحو الغابة للمشي. هذه هي عادته كل يوم فقد طالت ساعات يومه الفارغة بعد تقاعده فاختار ان يمتلك كلب. كلب قصير وقبيح ، لا أدري ما الذي اعجبه فيه. يمشي وكأنه كلب شرس ويبادلني نظرات من قبيل ” آرا لاكارط”.
قرأت بعض مقالات الجرائد الهولندية وقد علقت البارحة على صفحات جرائد كثيرة عن سبب احتشامهم وصمتهم حول قرار المحكمة الجنائية متابعة مجرما الحرب الصهاينة.
اليوم صادفت مقالا ، عرض لاعتراف وزيرة في جلسة البرلمان عما عانته من اعتداء جنسي خلال طفولتها . صرحت بأنها اختارت السياسة للدفاع عن النساء وتجاوز محنتها.
ردي كان طويلا ، أقحمت فيه تساؤلا وهو
” اتفهم وأتعاطف مع هذه السيدة، لكنني لا أفهم كيف انها وبعد هذا الاعتداء الشنيع على طفولتها وشخصها أن تختار حزبا عنصريا لا يكف عن الاعتداء على الصبية باقتحام خيالهم وانتهاك عرض أحلامهم بخطابات عنصرية وإقصائية …”
هذا انتهاك واغتصاب أيضا. نعم اغتصاب شنيع للأمل وأحلام الطفولة.

العيساتي عبدو.
![]()















