العيساتي عبد الاله: بويباون

Admin Sa.El23 ديسمبر 2024Last Update :
العيساتي عبد الاله: بويباون

أجنا ميضار ألطو  الإبداعية

اذا سألت عن أجمل اللحظات التي أعيشها، فسيكون ردي دون تأمل او تفكير ” لحظة الكتابة”. تغمرني أحاسيس دافئة وتتسارع في ذهني حوافر خيول برية تسابق سيول الوديان نحو الحرية.

الكتابة، آخر الحِرف اليدوية التي ابتدعها الإنسان . برز سحرها في الكهوف على شكل رموز، شحذتها أصابع بإزمير الزمن.

لا يجيد الكلام من يكتب والعكس صحيح في نظري. كأن التعبير، قد جعل لنفسه شكلين، كتابي أو شفوي. لك ايها الانسان ان تختار، كيف تحرر كينونتك بين البشر.

ما يجعلني اكثر سعادة ، هو حضور ضيف الكتابة ، دون سابق انذار. يزورك فجأة وكأن لسان حاله يقول ” الضيف ما يتشرط ومول النص وما يخط”.

ضيف الكتابة ، تجلى أمامي على عربة بيع الخضر فجعلت له إسم ” بويْبَاوْن” أو ” صاحب الفول” بالعربية.

يقول الدالاي لاما ” بين مرحلة الطفولة والكِبر، نعتقد مخطئين بأننا بلغنا الإستقلال”. لعلّه يقصد بأن المرء لا يستقل أبدا عن طفولته ، ربّما لأن الطفولة من دشنت لصرخة الوعي الأولى ، معلنة ميلاد الحلم.

الحلم هو الوظيفة التي تفتق وعيك عليها في صباك، فاستخدم جسدك الذي لا يكف عن النمو لتحقيقها.

وحده من تحقق، حلمه الطفولي، قادر على التجرد من ثقل الطفولة.

تفتقت رغبتي في الكتابة، بينما أتأمل خضروات ” بويباون” الهولندي الذي يتجول بين دروب هذه البلدة لكي يبيع بضاعته ، لكنه لا يصرخ كما كان ” بويباون” مدينة الناظور يفعل:

” هاااا بلاطنووووو ناااااارنخا دي نافيييييي” يصرخ بويباون من عربته المتجولة بين دروب حي باصو.

بويباون، حافظ على هويته الريفية من خلال لقبه، لكنه فضّل عرض خضرواته وفواكهه بالإسبانية ” ها البنان ها برتقال النافيل “.

كنت طفلا نشيطا في الحي. أجيد لعبة كرة القدم رفقة أصدقاء الطفولة. الغريب انني أتذكر منهم إسم ثلاثة. الأول كنا نسميه ” بابو” أو البطة والثاني ” موش” اي القط وهذا راجع لعينيه الخضراوين وآخر اسمه ” بولبارود”. هذا الأخير ، إمتهن التهريب في سن مبكرة وقد امتلك حينها دراجة نارية صممت لحمل ما ثقل من السلع.

كنت مولعا بالصيد أيضا، ملاحقا بصنارتي سمكة ” طوريو ” و “بييخا ” . أسماك كنت أضعها بعد اخراجها من قنينة مليئة بماء البحر، في إناء مملوء بماء الصنابير. علمتني التجربة حينها أن حياة هذه السمكات لن تطول.

إلى جانب اللهو، بين دروب حي “باصو”، ورحلات صيد طائر الحسون على ضفاف الوادي نواحي “آفياسيون”، اكتشفت ان الطفولة حين تخلو من الحلم فإنها حتما ستتمتع بالتصفية والقتل. لا يمكن ان أنسى عصافير الحسون المحشوة في قنينات الماء التي نجدها مرمية فنملأها بهذه العصافير الطيبة التي وقعت فريسة على اللصاق الذي أعددناه لها. أعداد وفيرة منها، تصير في قبضة أيدينا بعد ان كانت تمتلك السماء.

في ذهني ، تتراقص نغمات الحلم، على إيقاع سمفونية البشاعة.

اذا كان لمدينة الناظور ، علاقة قرابة بمدينة مليلية الإسبانية، فإنها حتما ربيبتها. إبنة زوجها الأول الذي تزوجته مكرهة.

كان حي باصو، يعج بالحركية وتدب على أسفلت طرقاته المهترئة، حياة البشر والخيول التي تجر عربات مخصصة لنقل مواد البناء كالإسمنت والآجور والحديد. كنت من بين عشرات التلاميذ الذين يسترقون خلسة، مكانا على العربة بعد خروجنا من ” المدرسة الجديدة المختلطة”. نسابق الخطى وبمجرد ان تقع أيدينا على العربة، ونقفز على متنها، نتأمل نظرات الحوذي إن كانت طيبة أم أنها لا تفرق بسوطها بين ظهر الخيل وظهورنا.

الحضور في الحي مثل غيابه، وكأن الكل قد تيقن بأن وجوده قد أخلف لحظة وعيه الأولى. تتراكم الأيام على العمر، إلى ان تتكدس فوق فوهة الفسحة فيه، فتصبح مستنقعا مياهه راكدة، غير صالحة للسباحة في ذكريات الماضي. وحدها الضفادع من تطفو وتتزاوج عليه.

هكذا وجدت نفسي هذا الصباح بينما أتأمل عربة بائع الخضر هذا. وقد تسائلت ” بائع صامت ، هادئ يجاري سكون الظلمة الصباحية. كيف بمقدوره ان يبيع ما يكفي يا ترى؟ كيف تأتى له العيش دون صراخ وصخب؟”.

Loading

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
Translate »