أجنا ميضار ألطو
العيساتي عبد الإله
” دير الخير ونساه” . قولة يكررها المغاربة في سياقات متعددة ، لكنها تحيل على خلاصة واحدة، مفادها أن فعل الخير، أمر جيد قد يعود إلى فاعله ولو بعد حين. غير أن الخطأ القائم بخصوص الاقدام على فعل خير، هو ان فاعله يترقب ثماره من الشخص المستفيد من فعل الخير هذا، فتجد الفاعل مركزا، حتى وإن أبدى عدم اكتراثه، على المستفيد متى يرد له ما أعطاه . أما إذا تجاهل أو نسي المستفيد الإعراب عن امتنانه سواء بالقول او الفعل، فإن فاعل الخبر قد يتعرض لصدمة، تغير رؤيته نحو فعل الخير كوسيلة تغير واقع الحال وتنجي المستفيد منه من سوء المآل.
فعل الخير ، في نظري هو عملة حسية يتداولها الناس بينهم . ورقة نقدية لا تدري اين ستستقر بعد خروجها من ذمتك. تنتقل من يدك إلى يد ، تسافر من بلد لبلد . يخلو جيبك منها لتحل بجيب آخر وهكذا دواليك. بعد تجوال وترحال فقد ينتهي دورانها اليك، لكن ليس بالضرورة من الشخص الأول الذي تسلمها منك بل من آخر بلغته كما بلغتك.
حينما عرضت هذه الخاطرة على مشرحة الكتابة، كنت اجول بفكري نحو المحطات التي أسدي لي معروف وتلقيت فعل خير. تذكرت ان الاستاذ محمد الشيكي قد فعل خيرا بحقي لم ينل من وراءه غير الشكر، من خلال تصحيحه لكتابي ومساعدتي على نسخه. هذا فعل خير في حقي، جعلني بدوري أفكر كيف اسمح لهذا الخير ان يمضي ولا يبقى حبيس فكري. ومن بين خواطر فعل الخير التي خطرت ببالي حينها ، ان امنح الكتاب لدار نشر لتطبع منه نسخا كثيرة، تعود مداخيل بيعها على المعتقلين على خلفية مظاهرات الريف ضد التهميش.
تذكرت أفعال خير كثيرة، عادت علي بالنفع والراحة . منها ما هو مرتبط بخدمة او نصيحة مفيدة ساعدتني على اجتياز محنة. تذكرت المحامي روبرت الذي آزرني مؤخرا في الشكوى الموجهة ضدي. قال بعد ان عرض علي مؤازرته ” رأيت غارقا في الوحل ولم يكن لي خيار غير عرض خدماتي” . لم اتلقى منه لحد الساعة فاتورة عن أتعابه، رغم انني كنت واضحا معه بأنني سأدفع له . اجابني حينها ” مقابل أتعابي مرتفع يا عبدو. أنا متخصص الان في جرائم الشركات بعد ان توقفت عن الجنايات . تسعيرتي الحالية 300 اورو للساعة آ بّا عبدو. سأساعدك لأننا أصدقاء، ليس مجانا ولكن مقابل مبلغ لن يجعلك تصاب بالصدمة” هكذا اتفقنا ولحد الساعة لم يرد علي منه اي خبر . أتمنى ان يكون قد نسى
في طريقي وبينما احاول استحضار محطات الخير الذي نعمت به من الآخرين، رأيت رجلا أعرفه وتذكرت انخراطه منذ سنوات طويلة مضت في مهمة نبيلة ، عادت علي ورفاقي بالنفع. كان مكلفا بفريق كرة القدم الذي كنت العب في صفوفه، رفقة هولنديين آخرين. كان يتحمل جميع الخدمات اللوجيستية كالتنظيم ومرافقة الفريق وكل ما يساهم في ان تمر المباراة في احسن الأجواء. لم يصبه يوما الملل أو الكلل سواء كان الجو مشمسا او موسوم بالبلل. بقيت ذكراه عالقة في ذهني كفاعل خير يتوجب رد إحسانه على عجل. شاءت الصدف بعد سنين ، ان اتصل بي ابنه الذي كان لاعبا في الفريق أيضا، لطلب تاكسي بعد ان ضاقت به السبل . انتقلت اليه وقد كان رفقة صديقته . أعرب عن امتنانه لأنني محوت عن باله الأرق. شغلت العداد وبعد بلوغ العنوان، مد لي المبلغ المرسوم على العداد فأجبت ” هذه هدية مني لك ، مقابل ما قدمه ابوك من خدمات مجانية”.
لا شك انه سيخبر اباه بما وقع وسيشعر هذا الأخير بفرحة حتما وهذا منطوق القولة ” وما جزاء الإحسان إلا الإحسان”. هذا ما اقصده بالدوران .
تذكرت إنجليزيا، اتصل بي من القطار القادم من دينهاخ. كانت نبرة صوته مسكونة بالقلق وهو يطلب تاكسي ” سيدي ، يبدو انني امتطيت القطار الخطأ. أنا الان في طريقي إلى بلدة هيمستدن بدل شخيبول المطار. سأكون هناك خلال ثلاثين دقيقة. ارجوك انتظرني هناك لتنقلني إلى المطار. ارجوك.”
بمنطق تجاري صرف ، فانني لن اكترث ولن أكثر معه الكلام ، لأنني سأجني مبلغا محترما من هفوته ، لكن طبعي ألزمني على الكلام . أقول طبعي ، ليس لأنه نتاج خالص مني، بل لأنه محصول أفعال خير استفدت منها فيما سبق ، جعلتني أنفق مما أعطاني الآخرون. النصيحة الجيدة قد تقدر بكثير من المال، فأجبت ” إستمع لما سأقول، أنت الآن في القطار القادم إلى هيمستدن، صح؟” ” نعم” أجاب. ” لماذا لا تغير القطار في بلدة لايدن؟ هذا طريقك الصحيح وبديلك المليح. توقف هناك وبعد دقائق ستجد قطارا متوجها إلى المطار. سيكلفك هذا مالا قليلا جدا مقارنة بما ستدفعه لي ، إضافة إلى خلق حيزا اضافيا من الوقت يجلي عنك ارق تأخرك عن طائرتك. فهمت؟” ” حقا ! تقصد ان اتوقف في المحطة المقبلة وأغيّر القطار بآخر؟” يسأل الإنجليزي ” نعم هذا ما اقصده بالضبط” ” اوه شكرا لك سأسأل عن هذه الامكانية”.
مضى على اتصاله نصف ساعة تقريبا وعاود الاتصال ” سيدي ، اود ان أشكرك فقد أخرجتني من ورطة شديدة شكرا شكرا لك”. لم أجد جوابا خير من الذي قلته له ” انت تشعر بأنك استفدت من فعلة خير ؟” ” بالتأكيد” اجاب ” اذن هي في يدك الآن وعليك ان تسلمها لآخر يحتاجها . اتفقنا؟” ” اتفقنا. شكرا شكرا”.
ان افعال الخير التي تصلك، ليست بالضرورة من الشخص الذي تتوقعه ولكن قد يكون مساهما فيها عن بعد. وعليه ” دير الخير ونساه”
أنا منشغل في أمور البناء بعد توسعة الدار . المشكل الذي صادفته، هو ايجاد عامل متخصص في بناء الآجور. العامل الذي تكلف بأعمال التوسعة ليس متخصصا في الآجور الخارجي وقد أخبرني بأن العامل الذي كان يترقب قدومه قد أخلف وعده. مشكييييلة الوقت يزاحمنا.
جعلت ابحث في هاتفي عن الأسماء وغالبا حين اسجل اسما مقرونا بحرفة فإنني أضيف عليه مجال تخصصه مثال ” حسن الجزار” أو ” طارق بائع السمك” وهلم جرا. عثرت على شخص نسيته باسم ” عامل البناء الاسباني “. هذا الشخص صادفته منذ اربعة أعوام تقريبا. كان بحاجة إلى مساعدة ملحة بعد عطب اصاب سيارته. إسباني قدم إلى هولندا للعمل في البناء وقد كان حاله يدعو للشفقة، لأنه كان يقيم في سيارته الوسخة المملوءة بالملابس وأكياس المأكولات . قلت في نفسي ” هذا من سيخرجني من هذه الورطة” . اتصلت به وبحسن حظي انه مازال في هولندا. لم يتأخر جوابه وقد تذكر من أكون ” سأحضر هذا المساء إلى دارك لأعاين طبيعة العمل”. ذلك ما حدث فقد جاءني ليلا ، ويبدو من سيارته تسلا، أن وضعه قد تحسن. سعدت لرؤيته وأخبرته ان عمالا كثر طلبوا أثمنة خيالية، حتى ان أحدهم طلب 1.20€ للياجورة الواحدة. اي انه كلما دهن واحدة بالإسمنت ووضعها على اختها فإن مقابلها يكون 1.20€.
أعرب عن دهشته وطمأنني بأنه قادر على انجاز المهمة بثمن أقل بكثير. سعدت كثيرا وارتحت . كان اليوم الخميس ووعدني بأنه سيتصل بي السبت لمناقشة التفاصيل، على ان يبدأ الاثنين او الثلاثاء. حمدت الله أن بعث لي هذا الاسباني ليجلي عني مشكلة تؤرقني.
مضى السبت وتبعه الاحد ثم الاثنين فالثلاثاء دون ان يبلغني منه رد ولا نبأ. لم اتصل به واكتفيت بقبول عرض هولندي تسعيرته ذكرتني بروبرت، اما الإسباني فقد نسي كل شيء ، حسب ما استخلصته من تجاهله التام ، لكن هذا لا يغير قناعتي بأن دورة الخير لم تبلغني بعد . الخير متى جاء ينفع. قد يتأخر، لكنه يحضر دائما وهو من يختار متى وأين وبأية يد.
الصورة مثال الحائط الذي ارغب في بنائه والمعنى الآخر من ورائها ألاّ تبني حائطا بينك وبين فعل الخير.
لقد حلت دفعة الآجور. الى لقاء قريب
![]()















