مناظرة عصيد و طلال لحلو ، بناء المجتمع بين مرجعية دينية، أم علمانية متحررة؟

Admin Sa.El27 يوليو 2025Last Update :
مناظرة عصيد و طلال لحلو ، بناء المجتمع بين مرجعية دينية، أم علمانية متحررة؟

ⴰⵊⴰⵏⵏⴰ ⵎⵉⴹⴰⵔ ⵓⴼⴰⵍⴰ. أجنا ميضار ألطو

شهدت الساحة الفكرية المغربية مؤخراً مناظرة مثيرة جمعت بين الدكتور طلال لحلو، الأكاديمي المشبع بالفكر الديني والمنهجي، والباحث والناشط الأمازيغي أحمد عصيد، أحد أبرز المدافعين عن الفكر العلماني والحداثي في المغرب. وقد تناول النقاش إشكالية “الحداثة والتقليد” وموقع الدين في الحياة العامة، حيث تباينت الرؤى وتكشّفت خطوط تماس بين مشروعين فكريين متناقضين: أحدهما يُؤمن بأن الدين هو الركيزة الأخلاقية والمجتمعية للتقدم، والآخر يعتبر أن التحرر من المرجعية الدينية شرطٌ أساسيّ لقيام مجتمع حداثي.

منذ اللحظات الأولى، بدا التباين بين الطرفين واضحًا على مستوى الخطاب والأسلوب والمنهج. فالدكتور طلال لحلو قدم نفسه بهدوء واتزان، معتمدًا على معطيات رقمية ودراسات علمية دولية، داعمًا بها أطروحاته التي تربط بين تماسك المجتمع والحفاظ على القيم الدينية. خطاب لحلو اتسم بالعمق والتحليل، وبالسعي إلى فهم الواقع من خلال منظور ديني متجدد، يوفق بين الأصالة والمعاصرة.

في المقابل، تبنى أحمد عصيد خطابًا صداميًا قائمًا على مبدأ التحرر من المرجعيات التقليدية. دعا إلى علمانية صريحة تفصل الدين عن الدولة، وترى في الدين عائقًا أمام حقوق الفرد وتطور المجتمع. ومع أن عصيد امتلك حضورًا لفظيًا وفكريًا واضحًا، إلا أن طرحه افتقر أحيانًا إلى سند إحصائي أو بُعد تحليلي دقيق، مما جعل بعض فقراته أقرب إلى الانطباعات الشخصية منها إلى البرهان المنهجي.

ركزت المناظرة على قضايا حساسة كدور المرأة، الحريات الفردية، العنف الرمزي، و”السعادة المجتمعية” في ظل التحولات الاجتماعية. هنا، تميز لحلو بتقديم قراءة دقيقة لمعطيات دولية، لاسيما عند حديثه عن العلاقة بين ازدياد نسب المساواة بين الجنسين وتراجع الشعور بالسعادة لدى النساء في بعض المجتمعات الغربية. في حين قلّل عصيد من أهمية تلك الأرقام، معتبراً أن الكرامة الإنسانية لا تُقاس بالمؤشرات الرقمية بل بالمواقف الحقوقية المبدئية.

وفي مفصل من النقاش، برز الفارق في المفهوم نفسه: فبينما يرى لحلو أن الحداثة يجب أن تنبثق من داخل المنظومة القيمية الإسلامية، يعتقد عصيد أن كل ربط بين الدين والتقدم هو عودة إلى الوراء، وتكريس لتسلّط النص على العقل.

من جهة الأسلوب، ظهر لحلو في هيئة المحاور المتماسك، المحافظ على اتزانه رغم الاستفزازات الكلامية، مستندًا إلى لغة علمية رزينة، في حين اختار عصيد أسلوبًا جدليًا صداميًا، لم يخلُ من سخرية وتعميمات، ما أضعف أحيانًا من وقع أطروحاته لدى المتلقي المتزن.

وفي نهاية المناظرة، تبلورت صورتان واضحتان: مفكر ديني يقدّم رؤية قائمة على الانضباط المعرفي والعمق الأخلاقي، مقابل مفكر علماني يطمح إلى قطيعة مع التراث، متسلّحًا بخطاب تحرري جذاب لكنه غير مؤسس أحيانًا على معايير صارمة في التحليل.

إن هذه المناظرة لم تكن مجرّد صدام بين شخصين، بل هي انعكاس لجدل عميق داخل المجتمعات العربية والإسلامية: جدل بين مرجعية دينية تسعى للتجديد دون تفريط، ورؤية علمانية ترى في التجديد ضرورة لا تحتمل أي شكل من أشكال الارتباط بالموروث الديني. وقد أتاحت هذه المواجهة الفكرية فرصة نادرة أمام المتلقي المغربي لاختبار الطروحات بعيدًا عن الشعارات، وضمن فضاء حرّ مفتوح للنقد والتأمل.

 

 

Loading

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
Translate »