طفولة بطعم المُخاط

Admin Sa.El22 يناير 2024Last Update :
طفولة بطعم المُخاط

 

على الصفحة صورتان؛ في الأولى “جَاكْ” مع أمه وأبيه.. ينزل رفقة أمه من سيارة.. تقول له: “embrasse papa mon petit.”
والثانية فيها أحمد يتبع أباه الراكب على أتان …
تأملهما محسن باهتمام.. تخيل أحمد يمسك تارة بذيل الأتان، وطورا يهرول خلفها كجرو.. نظر إلى بنطاله المرقع وقال في سره: “لا شك أن أحمد له سروال كالذي عندي” رسم له صورة متسخ في خياله، والمخاط ينزل من أنفه كما تنزل قطع اللحم المطحون من آلة طحن.. تحسس محسن منبت شاربه.. أفعى المخاط تخرج من جحرها.. مرر لسانه عليها بتلذذ.. لسعها قبل أن تلسعه!!
تعاطف مع أحمد، لكنه تمنى أن يكون جاك..!!
مد يده إلى سروال جليسه.. لمسه بلطف.. أراد أن يتبرك به:
– أبعد يدك.. لا تلمسني..
– وقعتْ يدي عليك سهوا يا صاحبي الصغير.. ما بك..؟!
انتبه له المدرس.. صفعه بلسانه.. احمر محسن.. دخلت جثته الصغيرة في أرضية القسم قطعة قطعة..
حاول أن “يعمل عقله”.. انتبه للدرس لثوان.. شرد ثانية.. غاب.. أين..؟ أمسك محسن.. أمسكه.. طار.. طار..!!
قلب ورقة كتابه الممزق مثل حياته.. تجسس على الصفحة التالية.. فضولي؛ يود أن يسبق زملاءه إلى معرفة الآتي.. برقت عيناه لصورة بها صحنان من الطعام.. طعام أحمر، أصفر، ذو ألوان غريبة.. سال لعابه على الكتاب.. تنبه له.. رشفه بقوة.. ثم سال ثانية.. نسي نفسه.. ذاب كقطعة زبدة.. استحال سائلا.. تجمد ثانية فصار قطعة بشرية مشوهة.. غطس.. تنفس تحت المرق.. يغرق.. يغرق.. لو كان من عشاق عبد الحليم لقال: “إني أغرق.. إني أغرق”
– أَيَا أمي الحنون..
قالها بصوت مستنجدٍ حين صفعه المدرس:
– انتبه كي لا تنادي على أمك من القسم..!!
حمل عينيه بثقل ليتفحص محيا مدرسه.. تراءى له صغيرا.. يصغر.. يصغر.. صفعه ثانية.. شرع يقرأ رموزا هيروغريفية على سطح الهواء.. الباب يسير نحوه.. زملاءه يبدون كنمل.. يزيدون صغرا.. القاعة تدور كَرَحَاهُمْ.. تدور أكثر كخذروف أحد زملاءه.. بع.. بععع.. بعععععع.. تقيأ محسن على الصحنين..
أرسله المدرس ليغسل أطرافه، وتكلفت الفتيات بغسل آثار الوليمة..!!
عاد محسن إلى القسم يقفز فرحا ككنغر؛ على الأقل ربح خرجة مجانية لم يحسب لها حسابا.. رماه المدرس بسهام نظرة مؤنبة.. تلقفت عيناه السهام بخجل.. ربع يديه واستوى في جلسته..
يشرد حينا وهو مستو في مقعده، ثم يلتفت حواليه حينا آخر، وطورا يلتقط بملل كلمات متفرقة تنبعث من ثغر مدرسه كما يلتقط حبات الزيتون في مواسم الجني: “Samir est…” يشرد.. يلتفت.. “le vebre…” يتأمل جليسه.. “la pomme est un objet…” تفطن لكلمة “la pomme”.. حملق نحو السبورة السوداء، قرأ:
“Samir mange une pomme”
تخيل سميرا هذا يقضمها بانتشاء.. بدل الفاعل، وقرأ في سره:
“Mouhsine mange une pomme”
سالت الكلمات على شفاهه.. تدحرجت على لسانه كما يتدحرج المتزلجون.. سحب قلمه القزم خلسة من “كيسه البلاستيكي” الذي اتخذه محفظة ، وراح يرسم تفاحة على الطاولة.. تخيلها تكبر.. تنتفخ.. تحمر حينا.. تصفر حينا آخر.. ترتفع نحو شفتيه.. يمسك بها كفهد تمكن من فريسته.. يدهسها بأنيابه كما يدهس قطار مخلوقا صغيرا.. يمرر لسانه على شفاهه.. يأكلها في خياله.. أفاعي المخاط تطل من قلاعها.. يرشفها بأنفه.. تطل ثانية.. يقطفها بلسانه.. يمزجها بتفاحته المتخيلة ويبتلع.. استوى جالسا بمهل.. جسمه تراخى .. يبدو كجسم لا عظام فيه.. معدته فوهة جوع.. تعيش ثورة أبدية.. أمعاءه تقرقر.. تغرغر.. يغني لها “نِنِّي يَا مُومُّو…” ويهدئها براحته..
يتأمل حذاءه الذي تطل منه أصابع رجليه.. تخيله يضحك من الهم “كثرة الهم تُضحك”.. أخفى أصابعه.. وجَّه عينيه نحو حذاء جليسه، قارن بينهما، ظلام ونور.. قارن ثانية، أسود وأبيض.. أسد ودجاجة..!! بصق على حذاءه وحذاء أحمد.. تمنى أن ينتعل حذاء جليسه أو حذاء جاك وإن لم يره.. قميصه تعشش به الثقب كحصن من حصون الدول الغابرة.. سرته تتجسس من خلال واحد منها.. تارة تطل وتارة تتوارى..
محسن يتأمل كل الوجوه.. سافر إلى ما وراء الجبل والوادي.. يحلق في الجو كصقر.. يصعد إلى عش يمامة طورا.. يستحم ببركة ماء عكر طورا آخر.. ينسى البؤس برهة، يتذكره أحقابا زمنية.. يسأم تكاليف الحياة، كزهير بن أبي سلمى، رغم حداثة سنه.. يبحر في يم من المتاهات.. تخطر بباله أسئلة بعدد بيض الطيور التي كسرها، بعدد الأعشاش التي عثر عليها، بعدد النجوم التي وقعت عليها عيناه حين تزوره حمى السهاد. لا يهتدي إلى جواب شاف.. تتشعب أفكاره.. تكبر.. تصغر.. تطول.. تقصر.. تتعدى الحدود.. تتضاءل شيئا فشيئا، ثم تخمد كَنَار لم تطعم خشبا كثيرا..
استفاق على جملة المدرس اللذيذة كطعم فرولة: “ramassez vos affaires”
جملة تثلج صدره.. حبة بطيخ أصفر باردة في صيف حار..!! تنزل على صحراء قلبه كَبَرَد.. تمتم في سره :”من أراد التعلم، مازال في العام بقية ”
طفولة بطعم المُخاط

  1. على الصفحة صورتان؛ في الأولى “جَاكْ” مع أمه وأبيه.. ينزل رفقة أمه من سيارة.. تقول له: “embrasse papa mon petit.”
    والثانية فيها أحمد يتبع أباه الراكب على أتان …
    تأملهما محسن باهتمام.. تخيل أحمد يمسك تارة بذيل الأتان، وطورا يهرول خلفها كجرو.. نظر إلى بنطاله المرقع وقال في سره: “لا شك أن أحمد له سروال كالذي عندي” رسم له صورة متسخ في خياله، والمخاط ينزل من أنفه كما تنزل قطع اللحم المطحون من آلة طحن.. تحسس محسن منبت شاربه.. أفعى المخاط تخرج من جحرها.. مرر لسانه عليها بتلذذ.. لسعها قبل أن تلسعه!!
    تعاطف مع أحمد، لكنه تمنى أن يكون جاك..!!
    مد يده إلى سروال جليسه.. لمسه بلطف.. أراد أن يتبرك به:
    – أبعد يدك.. لا تلمسني..
    – وقعتْ يدي عليك سهوا يا صاحبي الصغير.. ما بك..؟!
    انتبه له المدرس.. صفعه بلسانه.. احمر محسن.. دخلت جثته الصغيرة في أرضية القسم قطعة قطعة..
    حاول أن “يعمل عقله”.. انتبه للدرس لثوان.. شرد ثانية.. غاب.. أين..؟ أمسك محسن.. أمسكه.. طار.. طار..!!
    قلب ورقة كتابه الممزق مثل حياته.. تجسس على الصفحة التالية.. فضولي؛ يود أن يسبق زملاءه إلى معرفة الآتي.. برقت عيناه لصورة بها صحنان من الطعام.. طعام أحمر، أصفر، ذو ألوان غريبة.. سال لعابه على الكتاب.. تنبه له.. رشفه بقوة.. ثم سال ثانية.. نسي نفسه.. ذاب كقطعة زبدة.. استحال سائلا.. تجمد ثانية فصار قطعة بشرية مشوهة.. غطس.. تنفس تحت المرق.. يغرق.. يغرق.. لو كان من عشاق عبد الحليم لقال: “إني أغرق.. إني أغرق”
    – أَيَا أمي الحنون..
    قالها بصوت مستنجدٍ حين صفعه المدرس:
    – انتبه كي لا تنادي على أمك من القسم..!!
    حمل عينيه بثقل ليتفحص محيا مدرسه.. تراءى له صغيرا.. يصغر.. يصغر.. صفعه ثانية.. شرع يقرأ رموزا هيروغريفية على سطح الهواء.. الباب يسير نحوه.. زملاءه يبدون كنمل.. يزيدون صغرا.. القاعة تدور كَرَحَاهُمْ.. تدور أكثر كخذروف أحد زملاءه.. بع.. بععع.. بعععععع.. تقيأ محسن على الصحنين..
    أرسله المدرس ليغسل أطرافه، وتكلفت الفتيات بغسل آثار الوليمة..!!
    عاد محسن إلى القسم يقفز فرحا ككنغر؛ على الأقل ربح خرجة مجانية لم يحسب لها حسابا.. رماه المدرس بسهام نظرة مؤنبة.. تلقفت عيناه السهام بخجل.. ربع يديه واستوى في جلسته..
    يشرد حينا وهو مستو في مقعده، ثم يلتفت حواليه حينا آخر، وطورا يلتقط بملل كلمات متفرقة تنبعث من ثغر مدرسه كما يلتقط حبات الزيتون في مواسم الجني: “Samir est…” يشرد.. يلتفت.. “le vebre…” يتأمل جليسه.. “la pomme est un objet…” تفطن لكلمة “la pomme”.. حملق نحو السبورة السوداء، قرأ:
    “Samir mange une pomme”
    تخيل سميرا هذا يقضمها بانتشاء.. بدل الفاعل، وقرأ في سره:
    “Mouhsine mange une pomme”
    سالت الكلمات على شفاهه.. تدحرجت على لسانه كما يتدحرج المتزلجون.. سحب قلمه القزم خلسة من “كيسه البلاستيكي” الذي اتخذه محفظة ، وراح يرسم تفاحة على الطاولة.. تخيلها تكبر.. تنتفخ.. تحمر حينا.. تصفر حينا آخر.. ترتفع نحو شفتيه.. يمسك بها كفهد تمكن من فريسته.. يدهسها بأنيابه كما يدهس قطار مخلوقا صغيرا.. يمرر لسانه على شفاهه.. يأكلها في خياله.. أفاعي المخاط تطل من قلاعها.. يرشفها بأنفه.. تطل ثانية.. يقطفها بلسانه.. يمزجها بتفاحته المتخيلة ويبتلع.. استوى جالسا بمهل.. جسمه تراخى .. يبدو كجسم لا عظام فيه.. معدته فوهة جوع.. تعيش ثورة أبدية.. أمعاءه تقرقر.. تغرغر.. يغني لها “نِنِّي يَا مُومُّو…” ويهدئها براحته..
    يتأمل حذاءه الذي تطل منه أصابع رجليه.. تخيله يضحك من الهم “كثرة الهم تُضحك”.. أخفى أصابعه.. وجَّه عينيه نحو حذاء جليسه، قارن بينهما، ظلام ونور.. قارن ثانية، أسود وأبيض.. أسد ودجاجة..!! بصق على حذاءه وحذاء أحمد.. تمنى أن ينتعل حذاء جليسه أو حذاء جاك وإن لم يره.. قميصه تعشش به الثقب كحصن من حصون الدول الغابرة.. سرته تتجسس من خلال واحد منها.. تارة تطل وتارة تتوارى..
    محسن يتأمل كل الوجوه.. سافر إلى ما وراء الجبل والوادي.. يحلق في الجو كصقر.. يصعد إلى عش يمامة طورا.. يستحم ببركة ماء عكر طورا آخر.. ينسى البؤس برهة، يتذكره أحقابا زمنية.. يسأم تكاليف الحياة، كزهير بن أبي سلمى، رغم حداثة سنه.. يبحر في يم من المتاهات.. تخطر بباله أسئلة بعدد بيض الطيور التي كسرها، بعدد الأعشاش التي عثر عليها، بعدد النجوم التي وقعت عليها عيناه حين تزوره حمى السهاد. لا يهتدي إلى جواب شاف.. تتشعب أفكاره.. تكبر.. تصغر.. تطول.. تقصر.. تتعدى الحدود.. تتضاءل شيئا فشيئا، ثم تخمد كَنَار لم تطعم خشبا كثيرا..
    استفاق على جملة المدرس اللذيذة كطعم فرولة: “ramassez vos affaires”
    جملة تثلج صدره.. حبة بطيخ أصفر باردة في صيف حار..!! تنزل على صحراء قلبه كَبَرَد.. تمتم في سره :”من أراد التعلم، مازال في العام بقية ”
    **

Loading

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Comments تعليق واحد
Type a small note about the comments posted on your site (you can hide this note from comments settings)
  • ميمون حرش
    ميمون حرش 23 يناير 2024 - 3:32

    الطفولة بدون مخاط ناقصة،وكلنا محسن،
    أما يونس فهو مبدع ” شكل ثاني” كما اللحن الفريد لمحمد عبد الوهاب.

Breaking News
Translate »