سكاي ميضار ألطو .
في أعماق ميضار ألطو، و بين سفوح جباله تتناثر الصخور بصلابة وتتناغم الظلال في رقصة أبدية، تحتضن حكاية مائية عريقة، حكاية عين أغبار. ليست كأي عين، بل هي الشريان النابض الذي روى أجيالًا، وشهد على أحداث تاريخية جسيمة، وربط بين القلوب بأواصر المحبة والتاريخ المشترك.
عين أغبار جوهرة مكنونة تحت سفح الجبل، و ضفة ” إغزا ن وغبار” تتلألأ بماءها العذب، وتنشر الحياة في كل مكان، على ضفافه كانت تسطف الأشجار الخضراء من صفصاف و زيتون و تين و كرم و يسدل الصبار شوكه ليحمي العين المعطاء ،كانت تنبثق الحياة من كل ركن وزاوية:
الماء العذب ينساب برقة، يغذي الأرض ويمنح الحياة لكل ما حوله، ليصبح المكان واحة في قلب الجبال

في ظلال أغبار، نسجت الحكايات، وازدهرت الأماني، وكبرت الأحلام. في ظلال أشجار التين و الكرم ، جلس الشباب و واستلهموا من جمالها قصائد ” إزران” ، وغنت النساء أشعاره في الاعراس . هناك، في حضن الطبيعة، تتلاقى الأفكار وتزدهر الإبداعات. كل قطرة ماء تنبثق من العين تحمل بين طياتها حكاية تنتظر من يرويها.
عين أغبار لم يكن مجرد مصدر للماء، بل هي نبع صاف يروي الروح قبل الجسد. برودة مائها كانت تنعش النفس وتجدد الطاقة، وكأنها تقول لكل من يقصدها: “ها أنت بين يدي الطبيعة الأم، تجد السلام والسكون”. هذا المكان السحري كان يلهم من يزوره، ويمنحه من التأمل والهدوء.
عين أغبار و ميضار ألطو هما مرآة تعكس جمال الطبيعة وسحر التاريخ. تحتضن بين جوانبها قصصًا لا تنتهي، وأسرارًا تتجدد مع كل صباح جديد. إنها مكان فيه يتلاقى الماضي بالحاضر، وتزدهر فيه الأحلام تحت ظلال الأشجار وعلى صوت خرير الماء.
إلى نهاية سبعينات القرن الماضي و بداية الثمانينات كان بعض نساء البلدة و بناتها يزرن العين و يسقين ماء أغبار العذب ،كانت ملتقى لهن لتبادل اطراف الحديث قبل أن تزحف من الشرق الوهابية التي أتت على اليابس من هويتنا و اخضرها.
و بالتلة المطلة على المكان يقف مسجد أغبار شامخا . مسجد أغبار، القابع على التلة المطلة على العين، يقف كحارس أمين لهذا النبع، يحميه من غدر الزمن والإهمال.جدران المسجد تقص حكايات المقاومين الذين وجدوا فيه ملاذًا وإلهامًا، فصلوا فيه وطلبوا العون من الله. هذا المسجد الشامخ يشهد على التاريخ، ويظل رمزًا للسلام والأمان.
“ثمزيذا ن وغبار “ذلك الحارس الأمين الذي يطل بشموخ كأنه نسر يراقب الأفق ويحمي مياه النبع النقية بعيونه الساهرة. يقف المسجد على تلته المرتفعة، كقلعة من الروحانية، حيث يلامس سقفه السماء الزرقاء وتعانق أشعة الشمس بقدسية لا توصف.
في قلب المسجد العتيق، تنبض جدرانه بذكريات بطولات المقاومين الذين اتخذوا من هذا المكان ملجأً ومصدر إلهام. هنا، حيث تجمع الأبطال تحت سقفه الخشبي، وصلوا لله بشجاعة وإيمان، مستمدين قوتهم من روح المكان وجلاله.
كيف لا و أغبار كان ملاذا للامير و جنوده الاباسل.قاعدتةً خلفية للمقاومة و تشهد الكهوف المتناثرة على جنبات أغبار على زمن الرجال و بسالتهم ومجد المقاومة و الممانعة .
من داخل هذا المسجد، يمكنك سماع همسات الماضي تتردد في أركانه، وكأنها قصص تحكي عن أيام المجد والتحدي. من كان يزور مسجد أغبار كان يجد في برودة مياهه وهدوء أجوائه ملاذًا يعيد لهم السلام الداخلي .
مسجد أغبار ليس مجرد مبنى للعبادة، بل هو رمز للأمان والإرادة الصلبة التي لم تنكسر. إنه الحارس الأمين الذي لا ينام، ساهرًا على حماية تاريخ البلدة وذكريات أبطالها، مستمرًا في إلهام شبابه ليكتبوا عن جمال المكان وعظمته.
رغم طول العطاء والسخاء، كانت عين أغبار معطاء، تفيض بمياهها العذبة على القريب والبعيد، فتروي عطش الأرض وتغدق بالخير على كل من يقترب منها. لكنها، ويا للأسف، باتت اليوم ذكرى منسية تعاني من شحوب الجفاف.
في السنوات الأخيرة، ابتعدت السماء بغيومها وامتنعت عن أن تهدي الأرض بقطرات المطر. سبع سنوات عجاف مرّت كأنها دهر، جفّ فيها نبع الحياة، وبدأت عين أغبار تعيش آخر أيامها. ما زاد من جراحها هو تلك الحفر العشوائية التي تناثرت كالجروح في جسد الأرض، تسرق من الفرشة المائية حياتها المتبقية، نعم بين كل پئر و بئر بئر . أتذكر كلام أحد أبناء البلدة حيث قال” أخاف أن أخرج ليلا و أقع في إحدى الأبار” عشوائية في حفر آبار لمئات الامتار أجهزت على الفرشة المائية جفت آبار أجدادنا و جف أغبار.وجفت الدموع في أعيننا .
كانت المياه تجري كأنها شرايين تزهر الحياة، تروي الحقول وتنعش الغابات، لكن اليوم، توقف الخرير وتلاشت البهجة. جفت المجاري، وغاب الاخضرار، وأصبح المكان كظل لنفسه، يفتقد لنبض الحياة وروح الطبيعة.
عين أغبار، تلك الجوهرة التي كانت يومًا ما ينبوع الحياة، أصبحت ذكرى مدمعة. لم يبقَ منها سوى المسجد المطل، يقف بشموخ وحزن، شاهدًا على تاريخ ماضٍ كان مليئًا بالحياة.
نعم المسجد، ذاك الحارس الوحيد الباقي، يراقب المكان بصمت وألم، يروي للأجيال القادمة حكاية النبع الذي كان يومًا ينشر الحياة.
إنه لمشهد حزين أن ترى الحياة تتلاشى من حولك، أن ترى الأرض التي كانت تزهر بالحب والخير، تصير جرداء تفتقد نبض الطبيعة. جفت عين أغبار، لكن ذكراها ستبقى محفورة في قلوب من عرفوها، ستبقى رمزًا للعطاء الذي لا يُنسى، وأملًا بأن تعود الحياة يومًا لتزهر من جديد.

يمثل الحفاظ على التراث الطبيعي والثقافي مسؤولية جماعية يجب أن نحملها جميعاً بجدية. عين أغبار، التي كانت شريان الحياة لميضار ألطو، ليست مجرد نبع ماء، بل هي رمز للعطاء والجمال الذي يجب أن نحافظ عليه للأجيال القادمة.
إن استعادة مياهه العذبة بعد هذا الجفاف تتطلب جهوداً مستدامة من المجتمع والسلطات المحلية على حد سواء. هنا مربط الفرس ، هنا مسؤولية جسيمة ملقاة على عاتق مجلس جماعة إفرني . يمكن تحقيق ذلك من خلال تبني سياسات تحافظ على الموارد المائية، وإعادة تأهيل البيئة المحيطة بالعين، والحد من الحفر العشوائي للآبار.
كما ينبغي تعزيز الوعي بأهمية الماء كمورد حيوي وإقامة مشاريع تدعم استدامة البيئة، مثل زراعة الأشجار التي تساعد على حفظ الرطوبة في التربة، وتطوير تقنيات حديثة لجمع مياه الأمطار.
يجب أن نتذكر أن الحفاظ على التراث هو الحفاظ على هويتنا وجذورنا، وأن جفاف عين أغبار هو نداء لنا جميعاً للعمل من أجل مستقبل أكثر استدامة ووفرة. بإمكاننا، من خلال تكاتف الجهود وتبني الحلول المستدامة، أن نعيد الحياة إلى هذا النبع، ونستعيد رونق الطبيعة وجمالها كما عهدناها، تبادر و التوفيق من عند الخالق عز وجل .

![]()















