العيساتي عبد الاله: STOP

Admin Sa.El13 ديسمبر 2024Last Update :
العيساتي عبد الاله: STOP

سكاي ميضار الاعلى- سلسلة إبداعية مع أبا عبدو-

” آسف ان أخبرك بأنك من الآن معتقل. المرجو مرافقتي إلى زنزانتك” يخاطبني الشرطي في بهو مكتب الشرطة بلطف.

STOP

من نقائص الثقافة المشرقية الفظيعة، عدم احترام كلمة ” قف”. غالبا ما ترد هذه الكلمة على حواجز تقيد الولوج أو تبيّن الحدود . قف بالدارجة المغربية ” حدّك تمْ”

لم نتربى نحن المغاربة على معنى الكلمة ولم نستوعب حمولتها العظيمة. في المدارس الهولندية، يتم تداول هذه الكلمة بين الصبية، بعد أن لقنتهم العائلة والمدرّسة شروطها وموجبات استعمالها.

رغم انها كلمة حروفها قليلة، فإن التلفظ بها يوقف كل أشكال الاختراق إلى ذات الناطق بها لأنه استشعر لهيبا صادرا من الآخر قد يعرضه للاحتراق.

نيسا ابنتي الصغرى، تعشق اكل السمك، لكنها ترفض رفضا قاطعا مرافقتي إلى محل صديقي طارق بائع الحوت. تكون متعبة بعد طول ساعات القسم فتكون رغبتها الأكبر أن تعود إلى الدار.

أقنعتها بمرافقتي، لكنها وافقت على مضض. ملامحها تعلوها سحنة الغضب بينما أتكلف بتنظيف وقلي ما اختارت لتأكله.

بدأ طارق بمحادثتها، لكنها رفضت تبادل الحديث معه فقالت :
سطوب

نيسا يا نيسا ما بك غاضبة؟ يقول طارق ضاحكا

سطووب تقول نيسا وقد أطالت نطقها وكأنها بذلك تشير إلى اختراق حدودها.

نيسا لا تقلقي فقريبا ستتمتعين بسمك شهي طري. يزيد طارق في تعنته الكلامي

سطوووووب. كانت الصرخة الأطول من فم نيسا. حينها خاطبت طارق:

لماذا لم تتوقف حين نطقها سطوب في المرة الأولى؟ لماذا واصلت تعنتك ورغبتك في فرض نفسك وأقوالك عليها رغم انها طالبتك بالتوقف؟

والله معك حق بّاعبدو. ابنتي ايضا تشتكي من هذا الأمر. لا أدري ما الذي يدفعني على مواصلة تحدّيها؟

كانت نيسا تقاوم دموعها في زاوية المحل. التحقت بها وفي يدي طبق سمك شهي غيّر مزاجها.

عدم الاكتراث لطلب التوقف، يجلي الستار عن نفسية مهاجمة، تخوض معارك دائمة لفرض ذاتها على الآخر. ينطق لسان حال المهاجم بأن الكلام لا يكفي فالحياة والبقاء للشديد القوي. بهذه الطريقة تتحول الحياة إلى ميدان معركة وما الحروب الكبرى إلا تجلي عظيم لعراك ومشاجرة بين شخصين.

يقول المفكر الإسباني ، خوان غويتسولو في كتابه ” في الاستشراق الإسباني “.. لم أجد أفضل من تقديم عرض موجز لظواهر التشويه الإعلامي والفكري ل ( الآخر) التي تسود حياتنا اليومية، إنْ في إسبانيا ، أو الغرب. ظواهر لا يشكل فضحها وإدانتها واجبا أمام ( الآخر) وهو هنا العربي، المسلم ، الافريقي والشرقي ) وإنّما اتجاه الذات نفسها إذا ما طمح المرء إلى حياة صحيّة وطبيعية ”

المأزق الأخلاقي والفكري الأعظم الذي عانى منه الغرب ومازال، هو في قناعته المطلقة بأنه الأفضل وبأن الآخر يحتاج إلى الشدّة أو الشفقة. يمكن معاملته بإحدى هاتين الطريقتين. أما الندّية والمساواة فهذه أمور لم يفهمها هذا الآخر بعد.

يمكن ان تصادف هذه المقاربة في التعامل مهما اختلف مستوى هذا الغربي ، أكان عالما ام جاهلا، مسؤولا ام انساناً عاديا. تستكشف فيه تلك الرغبة القبلية في اعادة التأهيل والتربية . أنت قاصر حتى وإن ثبت العكس.

تصبح كينونة الآخر، مشحونة بالصراع والدفاع وأحيانا الإندفاع إلى مواجهة لا تحمد عقباها.

في طريقي إلى زبون ، توقفت بعد ان شاهدت علامة ممنوع العبور. قف ، أشغال تهيئة طرقية. على جهاز الارشاد الطرقي، ترتسم دار الزبون البعيدة شيئا ما. تجاهلت العلامة وبما ان الطريق معبدة فقد واصلت القيادة، عساني استرق من المنع بعض الأمتار، تسهل بلوغ دار الزبون العجوز الذي اخبرني بأنه غير قادر على المشي.

عربة كبيرة تسير باتجاهي، فتوقف سائقها وهو يشير بأصبعه بأن أتراجع. فتحت زجاج النافذة فأشرت اليه بالإقتراب. توقف ثم فتح زجاج نافذته وقال :

“تلك العلامة هناك ليست للمزاح . هيّا ارجع إلى الخلف” يقول هذا العامل القوي البنية غاضبا

” أعلم أعلم لكنني مضطر فالزبون غير قادر على المشي” اجبت

” ارجع حالا هيا إرحل من هنا ” يجيب وقد زاد غضبه.

غير بعيد منا معبر يسهل ولوج الحي حيث تقف سيارات السكان. لكن اصرار هذا العامل الغبي المتعنت جعلني أرضخ لأمره. طلبت منه ان يقود سيارته أمام أو خلف لأتمكن من الدوران فنهرني بشدة

” ما بك لا تجيد السياقة! لابد أنك اشتريت رخصة القيادة التي لديك” .

تبادلنا الشتائم إلى تلفظ وزاد

” سأنزل وأضربك على رأسك أيها الغبي”

انصرفت وركنت السيارة امام متجر قريب. توقفت ثم اتصلت بالزبون الذي اخبرني بأنه في طريقه إلي. عبرت المنطقة الممنوعة على السيارات ، المرخصة للمشاة لأساعد العجوز وننصرف لأن وقتي ومواعيدي تزاحمني. التقت عيني بالشخص المعني ثانية فتبادلنا كلمات وتعابير مختلفة . زاد الرجل في غضبه ونزل من عربته. طويل، عريض الاكتاف . ثلاثيني قوي.

عدت إلى السيارة بعد ان لمحت العجوز هناك، لكن الرجل العنيف واصل شتائمه وتهديداته نحو شخصي. كنت أواصل المشي مطالبا إياه بالتوقف.

قف. انصرف قلت لك

زاد في مشيه وفي قبيح كلامه إلى ان تجاوزنا منطقته الآمنة وتركنا خلفنا علامة قف التي تمنع العبور للسيارات دون المشاة.

جمع كبير من الناس، توقفوا وهم يتابعون ما سيحدث. صراخنا جذب الانتباه فكانت مطالبتي له ب ” قف” تجعل المتفرجين يتوقفون بدل هذا العامل .

شعرت بالتهديد وفي لحظة وجدت انه يبعد عني بمتر ونصف. لم أستطع تمالك نفسي وكان المشهد منقولا عبر كاميرا المتجر .

” ما هي التهمة الموجهة الي ” اسأل الشرطي

” الاعتداء بالضرب” يقول الشرطي

” لقد قدمت بنفسي إلى هنا لوضع شكاية وأما انصرافي عن مكان الحادث فليس للهروب بل لأن زبوني متوجه للمطار” قلت

” معذرة لكنني مضطر ان أنقلك للزنزانة” يقول الشرطي

بعد اجراءات مسطرية ، جعلتني اتذكر فصول المسطرة الجنائية في مدرجات كلية الحقوق بفاس، قام الشرطي بإغلاق البوابة فوجدت نفسي وحيدا في غرفة ضيقة. كان الوقت يمضي بتثاقل وقد جعلت ادقق في كل شيء. الكلمات على الجدران. ثقوب الزوايا، ظفر يبدو ان احدهم قد اقتلعه من أصبعه فتسائلت عن مقامه في أصابع اليد. هل هو ظفر سبابة ، خنصر ، بنصر أم إبهام؟ سحبته بالشبشب الذي ارتديه بدل حذائي وقلت ” يبدو من انعطافه انه ظفر أصبع السبّابة”. بدت لي على الشبشب ملصقة تحمل رقم مقاسة 43 فتسائلت ثانية ” كيف عرفوا مقاس قدمي أم أن مقاس القدم يتوحد حين تتقلص الخطى ويتجمد المشي!”

استعملت حقوقي كاملة كما وردت في الورقة التي تسلمتها . امكانية التواصل مع زوجتي، استعمال المرحاض، والأهم من هذا قدوم طبيب لفحص خنصري الذي انتفخ. كان الوقت يمضي بتثاقل بينما أنتظر قدوم المفتشين لمواجهتي بالتهم المنسوبة الي قبل احالة قضيتي على النائب العام .

بعد قرابة ستة ساعات، حضر المفتشون فقاموا باقتيادي إلى المكتب لأخذ أقوالي . جلسنا وكان اول القول

” لست ملزما بالإجابة على ما سنطرحه عليك من أسئلة. من حقك مؤازرة محامي لك . هل ترغب في هذا ام تواصل الاستنطاق دونه؟” يقول المفتش بينما تحافظ زميلته الشقراء على صمتها

” لست بحاجة إلى محامي لكنني أطالب بتحرير شكايتي ” قلت

” من حقك لكن بعد أخذ أقوالك ” يقول المفتش ثم يضيف ” هل يمكنك ان تحكي لنا ما جرى؟”

” أولا أطالب بفيديو كاميرا المتجر ”

” هل لدينا فيديو يوثق للحادثة” يسأل المفتش زميلته.

كانا على علم بوجود الفيديو لأن اول ما قامت به الشرطة بعد إخطارها من المشتكي المساند بزملائه، بالحادثة لابد ان يكون التوجه نحو المتجر.

” اعتقد ذلك لكن يجب أن اطلب ترخيصا بالمشاهدة اولا” تقول زميلته

جاءت كل أقوالي مطابقة لما شاهدناه وفي الفيديو رأيت أحدهم والذي تعرفت عليه بكونه أنا ، أمشي نحو سيارتي ملوحا بيدي، مطالبا الشخص الذي يلحق بي بالتوقف والانصراف.

بعد عبور علامة قف ، شاهدت الأول الذي تعرفت عليه بأنه أنا، ينظر خلفه فوجد الشخص قريبا منه لدرجة خشي اعتدائه.

شاهدت الاثنان يتعاركان ومن خلال أقوال المشتكي هذا ما حدث:

” لقد ضربني بقدمه إلى بطني بقوة جعلتني اتراجع خلفا ثم لحق تلك الدفعة بلكمات قوية متتابعة على وجهي ورأسي لدرجة جعلتني اسقط أرضا . حاولت النهوض لكنه ركلني بقوة مرة أخرى”

اما تفسيري لما وقع فكان بهذا الشكل :

” هذا الرجل عدواني قام بتهديدي وشتمي بعبارات جارحة. كما يبدو في الفيديو فإنني تحاشيت مرارا الوقوف امامه وكنت أطالبه بالتوقف والانصراف. شعرت بتهديد على سلامتي الجسدية خصوصا بعد لحاق زملائه به. كانت ردة فعلي من باب الدفاع عن النفس وعليه اطلب منك ان تسجل بأنني أتابعه بدوري من اجل الايذاء البدني ودليلي خنصري المشدود بالضماد ، ثم أتابعه بالتهديد وأخيرا اريد متابعته بالتحريض والتلفظ بأقوال عنصرية ”

” ماذا قال ؟” يسأل المفتش

” ايها الأجنبي الوسخ . هذا ما تلفظ به والى حين احالة المحضر على النائب العام اريد التأكيد على دحض روايته والتمسك ببرائتي من المنسوب الي لأنني كنت في حالة دفاع شرعي والدليل ما شاهدناه في الفيديو” قلت

” هل انت منفتح على تسوية ودية للقضية؟” يسأل المفتش

” أنا دائما منفتح” أجبت وقد خطرت في بالي القولة المغربية ” ما يتحابّو حتا يدّابزو”.

نقلت إلى زنزانتي وبعد مدة قصيرة حضر الشرطي. فتح البوابة وقال ” يمكنك الانصراف سيدي”.

اعتقد ان هذه هي الحلقة المفقودة في التفاهم مع الإنسان الغربي. اي الدبزة او الشجار الحقيقي الذي ينتهي بالاحترام والود.

اتصلت زوجتي هذا الصباح لتسأل عن حالي بعد حادثة أمس فأخبرتها بأنني بخير خصوصا بعد ان انهيت كتابة هذا النص.

الصورتان المرفقتان بالمقال بريشة رسام كاريكاتوري إسباني ، يعرض فيهما كيف ينظر للإنسان الريفي خلال سنوات الاستعمار الإسباني للريف.
أقفل المحضر

Loading

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
Translate »