ⴰⵊⴰⵏⵏⴰ ⵎⵉⴹⴰⵔ ⵓⴼⴰⵍⴰ. أجنا ميضار ألطو
بدأت أوراق التوت تتساقط عن مواقف كثير من الدول بشأن النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، مع تصاعد الاعتراف الدولي، لا سيما الأوروبي، بمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 كحل نهائي واقعي لإنهاء نزاع إقليمي طال أمده لأكثر من خمسين سنة. هذا التحول لم يعد مجرد مواقف دبلوماسية معزولة، بل أصبح توجهاً استراتيجياً تنخرط فيه قوى دولية كبرى، ما يشير إلى أن لحظة الحسم قد تكون أقرب من أي وقت مضى.
المستفيد الأول من هذا المسار هو المغرب، الذي استطاع أن يفرض مقاربته الواقعية القائمة على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كأفق سياسي وحيد قابل للتطبيق. يعزز ذلك ما باتت تصفه الأمم المتحدة ومجموعة من العواصم المؤثرة بأنه “خيار جاد وذي مصداقية”. بهذا الزخم، يتموقع المغرب كفاعل موثوق ومركزي في شمال إفريقيا، سواء في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب، أو الأمن الطاقي، أو ضبط تدفقات الهجرة، أو الربط الاقتصادي بين أوروبا وإفريقيا.
هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن مواقف القوى العظمى، لا سيما الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، الذين باتت غالبيتهم تميل بشكل صريح أو ضمني إلى دعم الطرح المغربي:
الولايات المتحدة الأمريكية: أحدثت الإدارة الأمريكية السابقة (ترامب) تحولاً مفصليًا سنة 2020 حين اعترفت رسميًا بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، في إطار اتفاق ثلاثي شمل أيضًا إسرائيل. وعلى الرغم من عدم إصدار إدارة بايدن مراجعة صريحة لهذا الاعتراف، فإنها لم تتراجع عنه، بل أكدت التزامها بدعم الحل السياسي في إطار مبادرة الحكم الذاتي، ما يعني استمرار موقف واشنطن في مساندة المغرب ضمنيًا.
فرنسا: رغم بعض الفتور في العلاقات الثنائية مؤخرًا، فإن باريس كانت ولا تزال من أبرز الداعمين لمقترح الحكم الذاتي المغربي. فرنسا تعتبر الحل المغربي إطارًا عمليًا لإنهاء النزاع، وتدافع عنه داخل مجلس الأمن، مع تأكيدها الدائم على احترام سيادة المغرب ووحدة أراضيه.
المملكة المتحدة: بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، طورت لندن علاقاتها مع الرباط في اتجاه أكثر واقعية. دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي، والذي جاء على لسان وزير خارجيتها، يضعها في صف الدول المؤثرة التي تدفع نحو حل نهائي سياسي بعيدًا عن الطروحات الانفصالية.
روسيا: تحافظ على موقف تقليدي متوازن، إلا أنها تميل نحو دعم مقاربة الأمم المتحدة لحل النزاع، دون أن تعترف بـ”الجمهورية الصحراوية”. موسكو تفضل الحفاظ على علاقاتها مع المغرب والجزائر معًا، لكنها لم تعرقل أبدًا مسار الاعتراف الدولي بمقترح الحكم الذاتي.
الصين: تتبنى موقفًا داعمًا لوحدة أراضي الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهي بذلك تُظهر ميلاً ضمنيًا للموقف المغربي، خصوصًا في ظل علاقات استراتيجية متطورة بين الرباط وبكين. الصين تدعم تسوية سياسية في إطار السيادة المغربية دون الإقرار العلني بكيان البوليساريو.
إلى جانب هؤلاء، فإن دولًا أوروبية وازنة مثل إسبانيا وألمانيا وهولندا وبلجيكا قد أعلنت بشكل واضح دعمها لمبادرة الحكم الذاتي. إسبانيا، التي كانت تاريخيًا تُحسب على المعسكر الرمادي، غيرت موقفها جذريًا سنة 2022 حين اعتبرت المقترح المغربي “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” للحل. ألمانيا بدورها خرجت من تحفظاتها السابقة لتدعم الطرح ذاته، خاصة بعد إعادة الدفء للعلاقات الثنائية مع الرباط.
في المقابل، يتعرض مشروع “الجمهورية الصحراوية” التي تتبناها جبهة البوليساريو لدعم سياسي متآكل، حتى بين دول كانت تُحسب تقليديًا على معسكرها. كما أن الجزائر، الداعم الرئيسي للبوليساريو، تواجه ضغوطًا متزايدة بسبب تعنتها الدبلوماسي، وانكشاف أوضاع مخيمات تندوف الحقوقية، ورفضها الانخراط الجاد في مفاوضات مباشرة تحت إشراف الأمم المتحدة.
إن الآفاق المنتظرة لسد هذا الملف تتجه نحو ترسيخ الأمر الواقع في إطار سيادة المغرب، مع تقديم ضمانات سياسية وثقافية وإدارية موسعة لساكنة الصحراء، بما يعزز من الإدماج الكامل لهذه الأقاليم في المنظومة التنموية الوطنية. يُنتظر أن تشهد السنوات القليلة المقبلة حسمًا أمميًا لهذا النزاع، إما من خلال دعم أممي صريح لمبادرة الحكم الذاتي، أو فرض حل سياسي يعكس التوازنات الجديدة في الميدان والديبلوماسية.
ختامًا، فإن دعم الدول الكبرى لمبادرة الحكم الذاتي المغربية لم يعد مجرّد اعتراف دبلوماسي، بل أصبح خطوة نحو إغلاق هذا الملف نهائيًا، وتجنيب المنطقة المزيد من التوتر والجمود، وفتح أفق جديد للتكامل المغاربي والتنمية المشتركة.
![]()















