skymidaralto.com
شهد ملف سبتة ومليلية خلال الفترة الأخيرة عودة غير مسبوقة إلى النقاش داخل الأوساط السياسية الأمريكية، بعدما بدأت شخصيات نافذة داخل الكونغرس الأمريكي تتحدث بشكل صريح عن المدينتين باعتبارهما واقعتين داخل التراب المغربي رغم خضوعهما للإدارة الإسبانية، وهو تحول اعتبرته الصحافة الإسبانية تطورا مقلقا، خاصة أنه يأتي بعد سنوات كانت مدريد تعتبر فيها ملف الثغرين محسوما وغير قابل للنقاش الدولي. البداية الفعلية لهذا التحول ظهرت مع تصريحات عدد من النواب الجمهوريين المقربين من دوائر القرار في واشنطن، أبرزهم ماريو دياز-بالارت، الذي أشار إلى أن سبتة ومليلية تقعان جغرافيًا داخل المغرب، قبل أن يتطور الأمر إلى إدراج توصيف مشابه داخل تقرير مرتبط بلجنة الاعتمادات بمجلس النواب الأمريكي، حيث تم الحديث عن أراض مغربية تحت الإدارة الإسبانية، مع الدعوة إلى معالجة الملف عبر الوسائل الدبلوماسية. ورغم أن الإدارة الأمريكية لم تصدر أي اعتراف رسمي بسيادة المغرب على المدينتين كما حدث في ملف الصحراء سنة 2020، فإن مجرد انتقال هذا الطرح إلى مؤسسات أمريكية نافذة اعتبر رسالة سياسية قوية نحو مدريد.
هذا التطور لم يكن معزولا عن السياق الجيوسياسي الحالي، إذ ربطت عدة تحليلات بين إثارة الملف وبين التوترات المتزايدة بين واشنطن ومدريد في ملفات مرتبطة بحلف الناتو والسياسات الدفاعية الإسبانية وبعض المواقف الدولية التي لم تنسجم بالكامل مع الرؤية الأمريكية. وبذلك بدا وكأن الولايات المتحدة تستعمل ملف سبتة ومليلية كورقة ضغط غير مباشرة لإعادة ضبط علاقتها مع إسبانيا، خصوصا أن واشنطن تدرك حساسية هذا الملف داخل الوعي السياسي الإسباني. مدريد من جهتها تعاملت مع التطورات بقلق واضح، لكن بحذ
دبلوماسي شديد، حيث سارع وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إلى التأكيد أن سبتة ومليلية إسبانيتان مثل أي مدينة أخرى داخل إسبانيا طه، في محاولة لقطع الطريق أمام أي تأويل سياسي للتقارير الأمريكية، غير أن الحكومة الإسبانية في المقابل تجنبت توجيه اتهامات مباشرة إلى الرباط أو فتح مواجهة علنية معها، إدراكًا منها لحجم الترابط الأمني والاقتصادي بين البلدين، ولأهمية الشراكة المغربية الإسبانية في ملفات الهجرة والطاقة والتنسيق الأمني.
أما المغرب فقد اختار التعاطي مع هذه التطورات بصمت محسوب وهدوء دبلوماسي لافت، حيث لم تصدر مواقف رسمية تصعيدية، ولم تدخل الرباط في حملة إعلامية مباشرة حول الموضوع، وهو ما يعكس استراتيجية مغربية قائمة على “النفس الطويل” وعدم حرق المراحل. فالرباط تدرك أن ملف سبتة ومليلية يختلف جذريًا عن ملف الصحراء من حيث التوازنات الدولية، كما أن أي تصعيد مباشر قد يخلق أزمة مفتوحة مع مدريد في وقت يركز فيه المغرب على تثبيت الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء وتوسيع الدعم لمبادرة الحكم الذاتي. لذلك فضّل المغرب الاستفادة من التحول الأمريكي بطريقة غير مباشرة، لأن مجرد إثارة الملف داخل المؤسسات الأمريكية يكسر حالة الجمود التي فرضتها إسبانيا لعقود، ويبعث برسالة مفادها أن قضية سبتة ومليلية لم تعد خارج النقاش الجيوسياسي الدولي.
يبدو أن الرباط تراهن على عامل الزمن والتحولات الدولية أكثر من رهانها على المواجهة المباشرة، خاصة في ظل التغيرات التي يعرفها النظام الدولي وإعادة تشكيل التحالفات داخل المتوسط وغرب إفريقيا. فالمغرب يدرك أن إثارة الملف أمريكيا، حتى دون اعتراف رسمي، يخلق ارتباكا داخل المؤسسة السياسية الإسبانية ويضع مدريد لأول مرة أمام احتمال أن يتحول ملف الثغرين مستقبلا إلى ورقة تفاوض دولية بدل أن يبقى خطا أحمر مغلقا. لهذا جاء الرد المغربي محتشمًا وهادئا، بينما بدت مدريد أكثر توترا في الدفاع عن إسبانية المدينتين، وهو ما يعكس أن المعركة الحقيقية اليوم ليست معركة سيادة مباشرة، بل معركة سردية سياسية ودبلوماسية حول مستقبل الملف وموقعه داخل التوازنات الإقليمية القادمة.
![]()















