العاملات المغربيات في مزارع إسبانيا بين الحاجة الاقتصادية والاستغلال

Admin Sa.Elساعتين agoLast Update :
العاملات المغربيات في مزارع إسبانيا بين الحاجة الاقتصادية والاستغلال

skymidaralto.com

يشكل ملف العاملات الموسميات المغربيات في مزارع جنوب إسبانيا أحد أكثر ملفات الهجرة النسائية إثارة للجدل خلال العقدين الأخيرين، إذ يجمع بين الحاجة الاقتصادية التي تدفع آلاف النساء المغربيات إلى البحث عن فرص عمل خارج البلاد وبين اتهامات متكررة تتعلق بالاستغلال وسوء ظروف العمل والانتهاكات الحقوقية. فمنذ مطلع الألفية الثالثة اعتمدت إسبانيا، وخاصة إقليم هويلفا بالأندلس، على اليد العاملة النسائية القادمة من المغرب لجني الفراولة والفواكه الحمراء ضمن برنامج التعاقد في بلد المنشأ، وهو برنامج يقوم على استقدام العاملات لفترة محددة ثم عودتهن إلى المغرب بعد انتهاء الموسم الزراعي. وقد قدم هذا النموذج على أنه تجربة ناجحة للهجرة الدائرية التي تحقق مصالح الطرفين؛ إذ توفر دخلا للنساء المغربيات وتلبي احتياجات القطاع الزراعي الإسباني من اليد العاملة الموسمية.

 

غير أن الواقع الذي كشفته العديد من التحقيقات الصحفية والدراسات الأكاديمية والتقارير الحقوقية كان أكثر تعقيدا. فالعاملات اللواتي يتم اختيارهن غالبا من المناطق القروية الفقيرة يجدن أنفسهن في وضعية هشة بسبب ارتباط إقامتهن القانونية بعقود العمل وبأرباب الضيعات الزراعية، ما يجعل قدرتهن على الاحتجاج أو المطالبة بحقوقهن محدودة. وقد تحدثت العديد من الشهادات عن ظروف عمل شاقة تشمل ساعات طويلة من العمل تحت أشعة الشمس أو داخل البيوت البلاستيكية، إلى جانب مشاكل تتعلق بالأجور وساعات العمل الإضافية وظروف السكن الجماعي التي لا تتوفر فيها أحيانا المعايير الملائمة للراحة والخصوصية.

وأثارت أوضاع العاملات اهتماماً دوليا سنة 2018 عندما خرجت مجموعة من العاملات المغربيات بشهادات تتهم مسؤولين في بعض المزارع بالتحرش الجنسي والاعتداءات الجنسية واستغلال هشاشة أوضاعهن القانونية والاجتماعية. وأفادت بعض الشهادات بأن رفض الخضوع للابتزاز أو تقديم الشكاوى كان قد يؤدي إلى التهديد بالطرد أو عدم تجديد العقود أو الحرمان من العمل. وقد أثارت هذه الاتهامات نقاشا واسعا في إسبانيا والمغرب حول فعالية آليات الحماية القانونية للعاملات المهاجرات وقدرتهن على الوصول إلى العدالة دون التعرض للانتقام أو فقدان مصدر رزقهن. ورغم أن القضاء الإسباني تعامل مع عدد من هذه الملفات بدرجات متفاوتة، فإن منظمات حقوقية اعتبرت أن الصعوبات اللغوية والاجتماعية والخوف من فقدان العمل أو الإقامة تشكل عوائق حقيقية أمام كشف جميع الانتهاكات المحتملة.

كما سلطت بعض الدراسات الحديثة الضوء على المخاطر التي قد تواجهها بعض العاملات بعد انتهاء عقودهن الموسمية، خاصة اللواتي يقررن البقاء في إسبانيا بشكل غير نظامي أملا في تحسين أوضاعهن الاقتصادية. ففي هذه الحالات تصبح النساء أكثر عرضة للاستغلال الاقتصادي والاجتماعي، وقد تجد بعضهن أنفسهن في أوضاع هشاشة تجعل الاعتماد على شبكات غير رسمية أمرا ضروريا لتأمين السكن أو العمل أو الحماية. وفي هذا السياق برزت في بعض التغطيات الإعلامية أحاديث عن ارتباط بعض العاملات بمهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء أو إقامة علاقات أو زيجات غير رسمية معهم. غير أن الدراسات المتوفرة لا تقدم معطيات إحصائية تؤكد وجود ظاهرة واسعة النطاق، بل تشير إلى حالات فردية مرتبطة بظروف الهجرة غير النظامية وصعوبات الاندماج والبحث عن الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

ومن بين القضايا التي أثارت تعاطفا واسعا قضية العاملة المغربية دريسية التي تعرضت سنة 2019 لسكتة دماغية أثناء وجودها في هويلفا، وتحولت حالتها الصحية إلى رمز للنقاش حول ظروف الرعاية الصحية المقدمة للعاملات الموسميات ومدى التزام المشغلين والسلطات بحمايتهن. وقد أعادت هذه القضية فتح النقاش حول السلامة المهنية والحق في العلاج والتكفل الصحي للعاملات الأجنبيات اللواتي يساهمن بشكل مباشر في أحد أهم القطاعات الزراعية الإسبانية.

ورغم الانتقادات المتكررة، لا يمكن إغفال الجانب الاقتصادي لهذا البرنامج، إذ يوفر دخلا مهما لآلاف الأسر المغربية التي تعتمد على التحويلات المالية الموسمية، كما يساهم في سد النقص الكبير في اليد العاملة الذي يعاني منه القطاع الزراعي الإسباني. إلا أن هذا المكسب الاقتصادي لا يلغي الحاجة إلى مراجعة آليات الحماية القانونية والاجتماعية للعاملات، وضمان ظروف عمل وسكن لائقة، وتوفير قنوات فعالة للتبليغ عن الانتهاكات، وتعزيز الرقابة على المشغلين، بما يضمن احترام الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية للعاملات.

يعكس ملف العاملات الموسميات المغربيات في مزارع إسبانيا تناقضا بين الفرص التي تتيحها الهجرة الموسمية لتحسين الأوضاع المعيشية وبين المخاطر التي قد تنتج عن هشاشة الوضع القانوني والاجتماعي للعاملات. وبينما نجح البرنامج في توفير فرص عمل لآلاف النساء، فإن الشهادات والتقارير الحقوقية تكشف أن الطريق ما زال طويلا لضمان بيئة عمل تحترم حقوق الإنسان وتمنع كل أشكال الاستغلال الاقتصادي أو الجنسي، بما يحقق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وحماية كرامة العاملات وحقوقهن الأساسية.

Loading

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
Translate »