مئات المشمولين بالعفو الملكي.. ومعتقلو حراك الريف خارج الحسابات

Admin Sa.El25 أغسطس 2026Last Update :
مئات المشمولين بالعفو الملكي.. ومعتقلو حراك الريف خارج الحسابات

skymidaralto.com

في كل مناسبة دينية أو وطنية، يعود العفو الملكي في المغرب إلى الواجهة باعتباره تقليدا راسخا وآلية من آليات السياسة الجنائية، إذ تشمل قرارات العفو مئات المحكوم عليهم، سواء بالإفراج عنهم أو تخفيض عقوباتهم أو إسقاط الغرامات عنهم. غير أن استمرار هذه العفوّات، واتساع أعداد المستفيدين منها، يطرح سؤالا حقوقيا وسياسيا متكرر ا حول مصير معتقلي حراك الريف، ولا سيما أبرز قادة الحراك الذين ظلوا خارج العفو الشامل رغم مرور سنوات طويلة على اعتقالهم.

ومناسبة المولد النبوي الشريف لسنة 2026 أعادت طرح هذا السؤال بقوة. فقد أصدر الملك محمد السادس عفوا شمل 634 شخصا، بينهم 462 كانوا في حالة اعتقال و157 في حالة سراح، إضافة إلى 15 شخصا محكوما في قضايا التطرف والإرهاب. ويأتي هذا العفو بعد سلسلة من العفوّات التي شملت أعدادا كبيرة من المحكوم عليهم خلال السنوات الماضية؛ إذ استفاد 681 شخصا من العفو بمناسبة المولد النبوي سنة 2025، و638 شخصا سنة 2024، و742 شخصا سنة 2023، و672 شخصا سنة 2022.

ولم تكن مناسبة المولد النبوي وحدها التي شهدت أعدادا كبيرة من المستفيدين. فعيد الشباب أصبح بدوره مناسبة سنوية بارزة للعفو الملكي. ففي سنة 2025 شمل العفو 591 شخصا، بعدما شمل 708 أشخاص سنة 2024 و760 شخصا سنة 2023 و588 شخصا سنة 2022 و486 شخصا سنة 2021. أما سنة 2020 فقد استفاد 673 شخصا من العفو بمناسبة عيد الشباب، مقابل 522 شخصا سنة 2018 و443 شخصا سنة 2019.

وتكشف هذه الأرقام أن العفو الملكي لم يعد إجراء استثنائيا من حيث عدد المستفيدين، بل أصبح يتكرر في مناسبات متعددة ويشمل في كل مرة مئات الأشخاص. ولذلك فإن بقاء ملف حراك الريف مفتوحا، وبقاء عدد من أبرز معتقليه خارج هذه القرارات، أصبح موضع تساؤل متواصل لدى عائلات المعتقلين والمنظمات الحقوقية والفاعلين السياسيين.

غير أن الحديث عن استثناء معتقلي حراك الريف يحتاج إلى قدر من الدقة التاريخية. فمن الخطأ القول إن جميع معتقلي الحراك ظلوا مستثنين من العفو الملكي منذ بداية الاعتقالات. فقد استفاد عدد منهم بالفعل من قرارات العفو، خصوصا خلال سنوات 2019 و2020 و2021. ففي يونيو 2019، شمل عفو ملكي بمناسبة عيد الفطر 60 معتقلا من ملف حراك الريف، إلى جانب معتقلين على خلفية احتجاجات جرادة. كما استفاد عدد آخر من معتقلي الحراك من عفو عيد العرش في السنة نفسها.

وتواصلت الإفراجات في سنة 2020، حيث شمل العفو الملكي عددا من معتقلي حراك الريف، من بينهم أسماء معروفة في الملف. وفي سنة 2021، استفاد 17 معتقلا آخر من عفو ملكي بمناسبة عيد الفطر. وبذلك فإن الوقائع تثبت أن الدولة لم تتعامل مع جميع معتقلي الحراك باعتبارهم ممنوعين بصورة مطلقة من الاستفادة من العفو.

لكن الجانب الأكثر إثارة للجدل هو أن هذه الإفراجات لم تشمل أبرز قادة الحراك، وعلى رأسهم ناصر الزفزافي ونبيل أحمجيق، اللذان صدرت في حقهما أحكام قاسية، وهو ما جعل قضية معتقلي حراك الريف تختلف عن الملفات الأخرى التي شملتها قرارات العفو المتتالية.

ومنذ سنة 2021، ومع استمرار صدور عفو ملكي في مناسبات دينية ووطنية مختلفة، ظل السؤال حاضرا حول إمكانية إنهاء ملف الحراك من خلال عفو شامل. ومع كل إعلان جديد عن استفادة مئات الأشخاص من العفو، تعود المقارنة إلى الواجهة: كيف يمكن أن تشمل لوائح العفو مئات المحكوم عليهم في قضايا مختلفة، بل وحتى أشخاصا محكومين في قضايا التطرف والإرهاب، بينما لا يشمل العفو أبرز المعتقلين على خلفية حراك الريف؟

هذه المقارنة لا تعني بالضرورة أن جميع الملفات القضائية متشابهة، ولا تثبت وحدها وجود قرار رسمي معلن باستثناء معتقلي الحراك بسبب طبيعة ملفهم. كما أن البلاغات الرسمية الخاصة بالعفو لا تقدم عادة تصنيفا سياسيا للمستفيدين، بل تحدد أعدادهم ونوع العفو الذي استفادوا منه. ولذلك فإن الأدق هو القول إن أبرز معتقلي حراك الريف ظلوا خارج العفو الملكي الشامل، وليس القول إن كل معتقلي الحراك استُبعدوا من جميع قرارات العفو.

غير أن استمرار هذا الوضع لسنوات يمنح القضية بعدا يتجاوز مجرد الأرقام. فالعفو الملكي في المغرب لا يمثل بالنسبة إلى المعتقل وعائلته مجرد تخفيض لعقوبة أو إجراء قانوني، وإنما يمكن أن تكون له دلالة سياسية ورمزية كبيرة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بملف ارتبط بحركة احتجاجية واسعة رفعت مطالب اجتماعية واقتصادية وحقوقية في منطقة الريف.

ويزداد هذا البعد وضوحا بالنظر إلى حجم الأرقام المسجلة في السنوات الأخيرة. فعندما يحصل مئات الأشخاص على العفو في عيد الشباب أو المولد النبوي أو مناسبات وطنية أخرى، يصبح السؤال عن الذين لا تشملهم هذه القرارات أكثر حضورا. وفي حالة حراك الريف، لا يتعلق الأمر فقط بعدد محدود من المعتقلين، بل بشخصيات أصبحت قضيتها رمزا لمرحلة احتجاجية كاملة، وبقيت أحكامها الثقيلة قائمة رغم مرور سنوات على انتهاء موجة الاحتجاجات.

إن المفارقة التي تكشفها السنوات الأخيرة تتمثل إذن في اتساع دائرة العفو الملكي من جهة، واستمرار عدم شمول أبرز معتقلي حراك الريف بالعفو من جهة أخرى. ففي الوقت الذي تجاوز فيه عدد المستفيدين من العفو في مناسبات متعددة حاجز 600 شخص في السنة الواحدة، ظل ملف قادة الحراك ينتظر حلا نهائيا، وهو ما جعل العفو الشامل مطلبا متكررا لدى عائلات المعتقلين والهيئات الحقوقية.

وعليه، فإن قراءة مسار العفو الملكي خلال نحو عقد من الزمن تقود إلى خلاصة أكثر دقة من عبارة :استثناء معتقلي الريف منذ عشر سنوات.

فبعض معتقلي الحراك استفادوا بالفعل من العفو في 2019 و2020 و2021، لكن أبرز القادة ظلوا خارج هذه الإفراجات، في حين استمرت قرارات العفو في شمول مئات الأشخاص في المناسبات الوطنية والدينية.

وهكذا، فإن جوهر القضية اليوم ليس ما إذا كان العفو الملكي يشمل معتقلي حراك الريف من حيث المبدأ، فقد ثبت أنه شمل عددا منهم، وإنما لماذا لم يتحول ذلك إلى عفو شامل ينهي ملف أبرز المعتقلين، ولماذا استمر هذا الاستثناء العملي رغم توالي المناسبات التي شهدت الإفراج عن مئات المحكوم عليهم.

وبينما تتجدد في كل مناسبة آمال عائلات معتقلي الحراك في طي هذا الملف، يبقى استمرار غياب العفو الشامل عن أبرز المعتقلين أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد الحقوقي المغربي، خصوصا في ظل اتساع نطاق العفو الملكي وتكراره بصورة منتظمة. فبعد سنوات من الأحكام والاعتقالات، لا يزال السؤال مفتوحا: هل يأتي يوم يتحول فيه العفو من إفراجات جزئية ومتفرقة إلى خطوة شاملة تنهي نهائيا ملف معتقلي حراك الريف؟

Loading

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
Translate »