الترحال الحزبي بالمغرب في سوق التزكيات

Admin Sa.El28 أغسطس 2026Last Update :
الترحال الحزبي بالمغرب في سوق التزكيات

skymidaralto.com

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يعود الترحال الحزبي في المغرب إلى واجهة المشهد السياسي، لكن الظاهرة تبدو هذه المرة أكثر حضورا، بعدما لم تعد تقتصر على انتقالات فردية متفرقة، بل أخذت في بعض المناطق شكل تحركات جماعية وإعادة تموقع سياسي لعدد من المنتخبين والفاعلين المحليين. ويكتسي هذا النقاش أهمية خاصة مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة، التي أصبحت معها حسابات التزكية والتحالفات والتموقع داخل الخريطة السياسية أكثر حدة.

والترحال الحزبي، في حد ذاته، ليس ظاهرة يمكن تجريمها سياسيا أو اعتبارها دائما سلوكا انتهازيا، فالسياسي من حقه أن يراجع قناعاته، وأن يختلف مع حزبه، وأن يختار إطارا سياسيا آخر ينسجم مع أفكاره. غير أن الإشكال يبدأ عندما يصبح تغيير اللون الحزبي مرتبطا، بشكل واضح أو ضمني، بحسابات انتخابية محضة: البحث عن تزكية مضمونة، أو موقع متقدم في اللائحة، أو حزب يمتلك حظوظا أكبر في الفوز، أو السعي إلى الحفاظ على النفوذ والوصول إلى منصب جديد.

هنا يتحول الانتقال من اختيار سياسي إلى إعادة تموقع انتخابي.

وتزداد خطورة الظاهرة عندما يحدث الانتقال في فترة تسبق الانتخابات مباشرة، أو عندما ينتقل أكثر من فاعل في التوقيت نفسه نحو حزب واحد. ففي هذه الحالة يصبح من المشروع طرح أسئلة تتجاوز أسماء الأشخاص: هل يتعلق الأمر فعلا بتغير في القناعات السياسية؟ أم أننا أمام إعادة ترتيب لمواقع النفوذ استعدادا للاستحقاق الانتخابي؟

المفارقة أن الأحزاب يفترض أن تكون مؤسسات سياسية قائمة على الأفكار والبرامج والمشاريع المجتمعية، وليست مجرد ألوان انتخابية قابلة للتبديل كلما تغيرت موازين القوة. فالحزب ليس قميصا انتخابيا يُرتدى في موسم ويُخلع في موسم آخر، وإنما يفترض أن يكون إطاراً للتأطير السياسي، وتكوين النخب، وتقديم البدائل والبرامج، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

 

لكن ما يحدث أحيانا يكشف عن أزمة أعمق في الحياة الحزبية، تتمثل في ضعف الارتباط بين المنتخب والحزب والبرنامج. فعندما يصبح معيار استقطاب المرشحين هو قدرتهم على جلب الأصوات، يتحول الحزب تدريجيا من مؤسسة سياسية إلى ما يشبه آلة انتخابية، ويصبح المرشح صاحب الشبكة والعلاقات والنفوذ المحلي أكثر قيمة من المناضل الذي قضى سنوات في العمل الحزبي والتأطير السياسي.

وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـسوق التزكيات؛ فالحزب يبحث عن مرشح قادر على المنافسة، والمرشح يبحث عن الحزب الذي يمنحه أفضل فرصة للوصول إلى المجلس أو البرلمان أو الحفاظ على موقعه. وفي منتصف هذه العملية يتراجع البرنامج السياسي إلى الخلف، بينما تتقدم الحسابات الشخصية والانتخابية إلى الواجهة.

والنتيجة أن السياسة تتحول من التنافس بين مشاريع إلى التنافس بين شبكات النفوذ.

هذه الظاهرة لا يمكن تحميل مسؤوليتها للمنتخبين وحدهم، فالأحزاب تتحمل بدورها جزءا أساسيا من المسؤولية. إذ إن وجود ترحال متكرر يعني، في جانب منه، أن هناك أحزابا مستعدة لاستقبال شخصيات قادمة من خارجها ومنحها مواقع انتخابية مهمة، حتى لو لم تكن لها مسيرة طويلة داخل التنظيم. وهذا يضعف من قيمة العمل الحزبي الداخلي، ويبعث رسالة سلبية إلى المناضلين الذين قد يجدون أنفسهم سنوات طويلة داخل الحزب، ثم يكتشفون أن الطريق إلى التزكية قد يكون أقصر بالنسبة إلى شخص قادم من حزب آخر، شرط أن تكون لديه قاعدة انتخابية.

ومن هنا تبدأ أزمة الثقة.

فالناخب الذي يصوت لمرشح على أساس انتمائه وبرنامجه الحزبي قد يشعر بأن صوته فقد جزءا من معناه عندما يجد المرشح نفسه بعد فترة قصيرة في موقع سياسي مختلف. وفي نظر المواطن، لا يتعلق الأمر فقط بتغيير بطاقة العضوية، بل بالسؤال الأعمق: ماذا بقي من الاختيار الذي قمت به يوم الاقتراع؟

ولهذا فإن القانون المغربي نفسه يولي أهمية لمسألة الانتماء السياسي للمنتخب، إذ يضع مقتضيات خاصة بحالات التخلي عن الحزب الذي ترشح باسمه المنتخب، وقد ترتب عنها في حالات معينة التجريد من العضوية. وهذا يؤكد أن العلاقة بين المنتخب والحزب ليست مجرد علاقة شخصية، بل ترتبط أيضا بالإرادة التي عبر عنها الناخبون.

غير أن الإشكال الذي يطرحه الترحال قبيل الانتخابات يختلف جزئيا عن مسألة التخلي عن الحزب أثناء الولاية. فالشخص قد يكون حرا قانونيا في اختيار حزب آخر لخوض انتخابات جديدة، لكن ذلك لا يمنع المجتمع من مساءلته سياسيا وأخلاقيا عن أسباب هذا الانتقال، خصوصا إذا جاء في توقيت يرتبط مباشرة بتوزيع التزكيات.

وفي هذه النقطة تحديدا، يصبح السؤال المشروع هو: هل تغيرت القناعة أم تغيرت مصلحة المرشح؟

الريف بدوره لم يكن بعيدا عن هذه الدينامية. ومهما اختلفت الحالات والأشخاص، فإن التحركات السياسية التي تظهر في المنطقة قبيل الاستحقاقات تستحق قراءة هادئة تتجاوز التراشق الحزبي. فالريف، بحكم خصوصيته السياسية والاجتماعية وتاريخه الحافل بالحراك والمطالب التنموية، يحتاج إلى تمثيل سياسي يجعل من قضايا المواطن والمنطقة محورا, للعمل السياسي، لا مجرد قاعدة انتخابية يجري استثمارها في موسم الانتخابات.

قد لا تصنف بعض الانتقالات السياسية في خانة الانتهازية. فلكل حالة ظروفها، وقد يكون وراء بعضها خلاف سياسي حقيقي أو اختلاف في التوجه أو صراع حول طريقة تدبير الحزب. لكن التمييز بين الانتقال المبدئي والترحال النفعي لا يحتاج إلى كثير من الشعارات؛ بل يحتاج إلى طرح أسئلة بسيطة: متى حدث الانتقال؟ ولماذا؟ ومن أي حزب إلى أي حزب؟ وما الموقع الذي حصل عليه المنتقل بعد ذلك؟ وهل تغيرت مواقفه وبرنامجه فعلاً، أم بقي الخطاب نفسه بينما تغير اللون فقط؟

هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية عندما تتحول الانتقالات الفردية إلى انتقالات جماعية. فالترحال الجماعي قد يكون مؤشر على إعادة تشكيل موازين القوى المحلية، وعلى تفاوض سياسي حول التزكيات والمواقع والتحالفات. وعندما تنتقل مجموعة من الشخصيات دفعة واحدة، يصبح من الصعب تفسير الظاهرة كلها باعتبارها مجرد مراجعة فردية للقناعات.

المشكلة الأكبر ليست في الوصول إلى المنصب؛ فالمنصب السياسي ليس عيبا، بل هو وسيلة لممارسة المسؤولية وخدمة المواطنين. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول المنصب من وسيلة لخدمة المصلحة العامة إلى غاية في حد ذاته.

عندها تصبح المعادلة معكوسة: بدل أن يكون المواطن هو الهدف والسياسي هو الأداة، يصبح المواطن مجرد وسيلة للحصول على الأصوات، وتصبح الأصوات وسيلة للحصول على المقعد، ويصبح المقعد وسيلة للحصول على النفوذ.

وهنا يفقد العمل السياسي معناه الحقيقي.

إن استمرار هذه الممارسات من شأنه أن يعمق عزوف المواطنين عن المشاركة السياسية، لأن الناخب عندما يرى أن البرامج تتغير، والألوان تتبدل، والتحالفات تتقلب، بينما تبقى المشاكل نفسها، قد يصل إلى قناعة خطيرة مفادها أن لا فرق بين هذا الحزب وذاك، وأن الانتخابات لا تغير شيئا.

وهذه أخطر نتيجة يمكن أن تنتج عن الترحال السياسي: ليس سقوط حزب بعينه، وإنما سقوط الثقة في السياسة نفسها.

لذلك فإن مواجهة الظاهرة لا ينبغي أن تتم فقط عبر انتقاد الأشخاص، وإنما من خلال إصلاح قواعد اللعبة الحزبية. فالأحزاب مطالبة بوضع معايير أكثر شفافية للتزكية، وربط الترشيح بالكفاءة والنزاهة والحصيلة، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وعدم تحويل المرشح صاحب النفوذ الانتخابي إلى بديل عن المؤسسة الحزبية.

كما أن المواطن نفسه يمتلك جزءا مهما من الحل. فالناخب الذي يختار بناء على البرنامج والحصيلة والكفاءة، وليس على الوعود الشخصية أو الخدمات الظرفية أو العلاقات، يستطيع أن يفرض تدريجيا نمطا جديدا من الممارسة السياسية.

في النهاية، لا تكمن المشكلة في أن يغير السياسي حزبه، وإنما في أن يصبح تغيير الحزب أسهل من تغيير القناعة. ولا تكمن المشكلة في البحث عن منصب، وإنما في أن يصبح المنصب أهم من المواطن.

وعندما يصبح اللون الحزبي مجرد وسيلة للوصول إلى الكرسي، فإن الديمقراطية تخسر شيئا من معناها. أما عندما يكون الحزب إطارا لمشروع سياسي واضح، ويكون المنتخب ملتزما ببرنامجه وقادرا على تقديم حصيلته أمام المواطنين، فإن الاختلاف والانتقال السياسي يصبحان جزءا طبيعيا من الحياة الديمقراطية، لا مجرد موسم جديد من إعادة توزيع المقاعد والمناصب.

Loading

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
Translate »