الأحزاب المغربية ومنطق الدكاكين السياسية

Admin Sa.El30 أغسطس 2026Last Update :
الأحزاب المغربية ومنطق الدكاكين السياسية

skymidaralto.com

باتت الأحزاب السياسية المغربية، في نظر شريحة من المتابعين والمهتمين بالشأن العام، أقرب فأقرب إلى ما يشبه الدكاكين السياسية ( صدق من قالها) ، وهو ما بدأت ملامحه تبرز بشكل واضح مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في شتنبر المقبل، حيث طغت على المشهد مظاهر التنافس الحزبي المبكر، والصراع حول التزكيات والمواقع، وتبادل الانتقادات بين عدد من الفاعلين السياسيين، في وقت يفترض أن تنصب فيه المنافسة أساسا على البرامج والحصيلة والحلول التي تقترحها الأحزاب لمشاكل المواطنين.

ومما يثير الانتباه في هذا السياق أن شخصيات سياسية سبق لها أن تقلدت مناصب وزارية أو كانت جزءا من دوائر تدبير الشأن العام، أصبحت توجه انتقادات إلى سياسات الحكومة في بعض القطاعات، وهو ما يطرح علامات استفهام حول طبيعة هذا الخطاب، وما إذا كان نابعا من رغبة حقيقية في تصحيح الاختلالات والدفاع عن المصلحة العامة، أم أنه يدخل في إطار الحسابات الانتخابية ومحاولة استثمار النقاش العمومي لتعزيز المواقع السياسية استعدادا للاستحقاقات المقبلة.

وفي المقابل، لا تخلو مكونات الأغلبية الحكومية من رسائل سياسية مشفرة ومتبادلة، إذ يبدو أن كل حزب يحاول تقديم نفسه بصورة مختلفة أمام الناخبين، والدفاع عن حصيلته، وتحميل شركائه مسؤولية بعض الاختلالات، في محاولة لجذب الناخبين وتحقيق مكاسب انتخابية على حساب باقي مكونات التحالف. ويبدو المشهد في بعض الأحيان وكأن كل طرف يغني على ليلاه، رغم أن هذه الأحزاب تشترك في مسؤولية تدبير الشأن الحكومي، الأمر الذي يجعل المواطن يتساءل عن حدود الانسجام داخل الأغلبية، وعن المسؤولية السياسية لكل مكون فيها تجاه القرارات والسياسات التي اتخذتها الحكومة مجتمعة.

وتزداد الصورة تعقيدا مع ما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي من تسريبات لوثائق أو مراسلات حزبية تتعلق بالتزكيات والمرشحين والتحالفات، بما في ذلك مضامين يُفهم منها أن بعض الأحزاب قد تتجه إلى وضع شروط سياسية بشأن المشاركة في الحكومة المقبلة أو استبعاد أحزاب بعينها من تقلد حقائب وزارية. إن انتشارها الواسع يكشف حجم الصراع الداخلي الذي يسبق الانتخابات، ويعكس في الوقت نفسه تنامي اهتمام الرأي العام بما يدور خلف الكواليس الحزبية.

ومن جهة أخرى، تظل ظاهرة الترحال الحزبي واحدة من أبرز مظاهر المشهد الانتخابي المغربي، حيث تشهد الفترات التي تسبق الاستحقاقات تحركات لعدد من المنتخبين والفاعلين السياسيين بين الأحزاب، بحثا عن تزكيات انتخابية أو مواقع تضمن فرصا أكبر للظفر بالمقاعد. وفي بعض الحالات، تتحول التزكية من تعبير عن الانتماء إلى مشروع سياسي وفكري إلى مجرد وسيلة لخوض الانتخابات، وهو ما يضعف مفهوم الالتزام الحزبي ويجعل الانتماء السياسي لدى البعض مرتبطا بالمصلحة الانتخابية أكثر من ارتباطه بقناعة أو برنامج.

وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما تتداخل معها اعتبارات شخصية أو عائلية أو محلية، أو عندما تصبح التزكيات موضوعا للمساومات، الأمر الذي يضرب في العمق صورة الأحزاب باعتبارها مؤسسات يفترض أن تقوم على الديمقراطية الداخلية والكفاءة والاستحقاق. فالحزب السياسي يفترض أن يكون مدرسة للتأطير السياسي وإنتاج الأفكار والكفاءات، وليس مجرد منصة تمنح التزكيات لمن يملك القدرة على جلب الأصوات.

غير أن المواطن يبقى في نهاية المطاف الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، لأنه هو الذي يدفع ثمن هذه الممارسات من خلال تراجع الثقة في العمل السياسي والمؤسسات المنتخبة. فالناخب عندما يجد نفسه أمام صراعات حزبية وشخصية، بدل أن يجد أمامه برامج واضحة وحلولا واقعية لمشاكله اليومية، فإنه قد يفقد الحافز للمشاركة السياسية أو يختار التصويت بناء على اعتبارات لا علاقة لها بالكفاءة والبرنامج.

أما ظاهرة شراء الأصوات واستمالة الناخبين بالمال أو بالمنافع، فتظل من أخطر الممارسات التي يمكن أن تهدد نزاهة العملية الانتخابية، لأنها تحول صوت المواطن من حق سياسي إلى سلعة قابلة للبيع والشراء. ومتى أصبحت الانتخابات خاضعة لمنطق المال والمصلحة المباشرة، فإن نتائجها لا تعكس بالضرورة الإرادة الحرة للناخبين، وإنما قدرة بعض المرشحين على التأثير في خياراتهم بوسائل غير مشروعة.

فالانتخابات ليست مجرد مناسبة لتوزيع المقاعد والمناصب، بل هي لحظة يفترض أن يعبر فيها المواطن بحرية عن اختياره لمن يراه قادرا على تمثيله والدفاع عن مصالحه. لذلك فإن تحويل العملية الانتخابية إلى سوق للمساومات والتزكيات والتحالفات الشخصية يضرب الثقة في المؤسسات ويعمق الفجوة بين المواطن والسياسة.

وإذا كانت الأحزاب السياسية تريد بالفعل استعادة ثقة المواطن، فإن الطريق لا يمر عبر الرسائل المشفرة وتبادل الاتهامات والبحث عن الخصوم وتحميلهم مسؤولية الفشل، بل عبر تقديم برامج واضحة، والدفاع عن حصيلة العمل الحكومي بشجاعة، والاعتراف بالاختلالات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واحترام ذكاء الناخب.

فالمواطن المغربي لم يعد مجرد رقم انتخابي، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره خزانا للأصوات يمكن استمالته خلال الحملات الانتخابية ثم نسيانه بعد انتهاء الاقتراع. إن صوته أمانة سياسية، ومنحه لحزب أو مرشح هو تفويض لتمثيله والدفاع عن مصالحه.

وبالتالي، فإن استمرار منطق بيع وشراء التزكيات والأصوات، واستفحال الترحال الحزبي، وتحول بعض الصراعات السياسية إلى معارك شخصية وانتخابية، من شأنه أن يضفي على المشهد الحزبي طابعا تجاريا يفقد السياسة جوهرها الحقيقي. فالأحزاب لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي تحصل عليها، وإنما بقدرتها على إنتاج الأفكار، وتأطير المواطنين، وتقديم البدائل، واحترام الناخب، والوفاء بالالتزامات التي قطعتها على نفسها.

و يبقى صندوق الاقتراع هو الفيصل، لكن قوة هذا الصندوق لا تتوقف على وجوده فقط، وإنما على نزاهة العملية التي تقود إليه. فإذا كان المال والولاءات الشخصية والصفقات الانتخابية هي التي تحدد النتائج، فإن الخاسر الحقيقي لن يكون حزبا أو مرشح3ا بعينه، وإنما سيكون المواطن والديمقراطية والثقة في المؤسسات. أما إذا تحولت الانتخابات إلى منافسة حقيقية بين البرامج والكفاءات والمشاريع، فإنها يمكن أن تكون فرصة لإعادة الاعتبار للعمل الحزبي وإخراج السياسة من منطق الدكان الانتخابي إلى فضاء المؤسسات والمسؤولية وخدمة امصلحة العامة.

Loading

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
Translate »