مغاربة العالم مرحبا بأموالكم(74,78 مليار درهم في ستة اشهر) أما أنتم فانتظروا

Admin Sa.El5 ساعات agoLast Update :
مغاربة العالم مرحبا بأموالكم(74,78 مليار درهم في ستة اشهر) أما أنتم فانتظروا

skymidaralto.com

تشكل الجالية المغربية المقيمة بالخارج أحد أهم المكونات الاستراتيجية للاقتصاد الوطني، بالنظر إلى حجم مساهمتها المالية ودورها المتواصل في دعم الأسر وتنشيط الدورة الاقتصادية وتعزيز موارد البلاد من العملة الصعبة. وقد بلغت تحويلات مغاربة العالم، إلى حدود نهاية يوليوز 2026، ما يناهز 74,78 مليار درهم، وهو رقم يعكس بوضوح المكانة التي أصبحت تحتلها هذه الفئة في المنظومة الاقتصادية المغربية، ويؤكد أن الجالية لم تعد مجرد مصدر للتحويلات المالية، وإنما أصبحت شريكا اقتصاديا حقيقيا للمغرب، يساهم في دعم الاستهلاك والاستثمار والعقار والسياحة والقطاع البنكي، فضلا عن مساهمتها في تعزيز احتياطات المملكة من العملة الأجنبية.

غير أن هذا الحجم الكبير من المساهمة الاقتصادية يطرح في المقابل سؤالا مشروعا حول طبيعة العلاقة التي تربط الدولة بمغاربة العالم، ومدى انعكاس هذه الأهمية الاقتصادية على مستوى الخدمات المقدمة لهم. فالمفارقة تبدو واضحة بين جالية تضخ عشرات المليارات من الدراهم في الاقتصاد الوطني، وبين واقع يواجه فيه أفرادها، عند عودتهم إلى أرض الوطن، مجموعة من الصعوبات التي تجعل تجربة العودة في كثير من الأحيان مرهقة ومكلفة، سواء تعلق الأمر بالسفر أو إجراءات الدخول والخروج أو المعاملات الإدارية والوثائق.

وتبدأ هذه الصعوبات في بعض الأحيان قبل الوصول إلى المغرب، وتحديدا عند البحث عن تذاكر السفر. فخلال فترات الذروة، ولا سيما في فصل الصيف، تعرف أسعار تذاكر الطائرات والبواخر ارتفاعا ملحوظا، ما يجعل تكلفة العودة إلى الوطن عبئا إضافيا على الأسر، خصوصا تلك التي تضم عددا كبيرا من أفراد العائلة. كما يواجه المسافرون إشكالية توفر التذاكر، فضلا عن ظاهرة المضاربة والسمسرة التي تبرز بشكل أكبر في فترات الضغط، حيث يجد المواطن نفسه مضطرا في بعض الحالات إلى دفع أسعار مرتفعة للحصول على تذكرة سفر تمكنه من العودة إلى بلده.

ولا تتوقف معاناة الجالية عند حجز التذكرة، بل تمتد إلى تجربة العبور نفسها، خصوصا عبر مضيق جبل طارق، الذي يشكل خلال موسم الصيف نقطة ضغط كبيرة بسبب الأعداد الهائلة من المسافرين والسيارات المتجهة نحو المغرب. فالانتظار، والاكتظاظ، وتعدد الإجراءات، وارتفاع كلفة السفر، كلها عوامل تجعل رحلة العودة بالنسبة إلى بعض الأسر تجربة شاقة، في الوقت الذي يفترض فيه أن تكون عودة المواطن إلى بلده لحظة إيجابية ومريحة، لا بداية لسلسلة من الضغوط والمشاكل.

ويزداد الأمر تعقيدا عندما يتعلق الأمر بإجراءات الدخول والخروج من التراب الوطني. صحيح أن الدولة مطالبة باحترام الإجراءات القانونية والأمنية والإدارية، غير أن الإشكال لا يكمن بالضرورة في وجود هذه الإجراءات، وإنما في طريقة تنظيمها ومدى سهولة تعامل المواطن معها. فالمغربي المقيم بالخارج غالبا ما يأتي إلى المغرب لفترة زمنية محدودة، وقد لا تتجاوز إجازته بضعة أسابيع، وبالتالي فإن كل يوم يضيع في الانتظار أو التنقل بين الإدارات يمثل تكلفة حقيقية بالنسبة إليه.

وتبرز المشكلة بشكل أكبر في مجال الوثائق والمعاملات الإدارية، حيث لا تزال بعض المساطر تتطلب حضورا شخصيا، والتنقل بين أكثر من مصلحة، وتقديم مجموعة من الوثائق، وأحيانا العودة أكثر من مرة لاستكمال الملف. وهذه الوضعية لا تتلاءم مع خصوصية المواطن المقيم بالخارج الذي يعيش ويعمل في بلد آخر ويأتي إلى المغرب خلال فترة قصيرة. فإذا كان المواطن المقيم داخل المغرب يستطيع العودة إلى الإدارة بعد أيام أو أسابيع لاستكمال ملفه، فإن الأمر يصبح أكثر صعوبة بالنسبة للمواطن المقيم بالخارج الذي يكون مرتبطا بموعد سفر محدد، وقد يجد نفسه أمام خيار تأجيل معاملته أو تكليف أحد أفراد أسرته بمتابعتها.

ومن هنا، فإن التحول الرقمي الذي تعرفه الإدارة المغربية ينبغي ألا يقتصر على نقل بعض الإجراءات من الورق إلى المنصات الإلكترونية، بل يجب أن يصل إلى مرحلة إعادة تصميم العلاقة بين الإدارة والمواطن بشكل كامل. المطلوب هو أن يتمكن المغربي المقيم بالخارج من إنجاز أكبر قدر ممكن من معاملاته قبل وصوله إلى المغرب، وأن يستطيع تتبع ملفاته عن بعد، والحصول على الوثائق إلكترونيا، وحجز المواعيد مسبقا، وتجنب الانتظار والتنقل غير الضروري بين الإدارات.

إن الحديث عن تحسين وضعية مغاربة العالم لا ينبغي أن يُفهم بالضرورة على أنه مطالبة بمنحهم امتيازات غير مبررة مقارنة ببقية المواطنين، وإنما يتعلق أساسا بتوفير خدمات تتناسب مع خصوصية وضعهم. فالمواطن المقيم بالخارج يتحمل تكاليف السفر والإقامة والتنقل، ويزور المغرب لفترات محدودة، ومع ذلك يظل مرتبطا بالعديد من المؤسسات والإدارات والمصالح داخل البلاد. ولذلك فإن توفير مسارات إدارية مبسطة، وخدمات رقمية، ومواعيد إلكترونية، ومراكز مخصصة، ومعلومات واضحة، ليس امتيازا بقدر ما هو استجابة طبيعية لوضعية هذه الفئة.

كما أن التعامل مع الجالية ينبغي ألا يبقى مرتبطا فقط بموسم الصيف. فمغاربة العالم ليسوا ظاهرة موسمية، وتحويلاتهم واستثماراتهم وعلاقاتهم الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب مستمرة طوال السنة. ولذلك فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى الانتقال من منطق استقبال الجالية خلال الصيف إلى بناء سياسة وطنية دائمة ومتكاملة تجاه مغاربة العالم، تقوم على اعتبارهم شركاء اقتصاديين واجتماعيين للمملكة، وليس فقط مواطنين يعودون إلى وطنهم خلال العطلة الصيفية.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن الرهان الأكبر لا ينبغي أن يقتصر على المحافظة على تدفقات التحويلات، بل يجب أن يتجه نحو تعزيز الثقة وتحويل جزء أكبر من مدخرات الجالية إلى استثمارات منتجة داخل المغرب. وهذا يتطلب تبسيط المساطر، ومحاربة التعقيدات الإدارية، وتوفير المواكبة الحقيقية للمستثمرين من مغاربة العالم، وضمان الشفافية والسرعة في معالجة الملفات. فالمواطن الذي يلمس أن الإدارة تحترم وقته وتوفر له خدمة فعالة سيكون أكثر استعداداً للحفاظ على ارتباطه الاقتصادي بالمغرب والاستثمار فيه.

كما أن تحسين تجربة السفر والعبور يجب أن يصبح جزءا من هذه السياسة. فموسم عودة الجالية يمثل عملية لوجستية وطنية كبرى، ويحتاج إلى تخطيط استباقي يضمن شفافية أكبر في الأسعار، وتوفرا كافيا للتذاكر، وتنظيما أفضل للموانئ والمطارات، ومعلومات دقيقة وفورية للمسافرين، إضافة إلى تشديد الرقابة على أي ممارسات للمضاربة أو السمسرة التي تستغل ارتفاع الطلب خلال فترات الذروة.

إن الأرقام المتعلقة بتحويلات مغاربة العالم، والتي وصلت إلى نحو 74,78 مليار درهم إلى نهاية يوليوز 2026، تؤكد أن الجالية تمثل قوة اقتصادية لا يمكن للمغرب الاستغناء عنها. غير أن قوة هذه العلاقة لا ينبغي أن تقاس فقط بحجم الأموال التي تدخل البلاد، وإنما أيضا بمستوى الثقة التي يشعر بها المواطن المغربي المقيم بالخارج، وبجودة الخدمات التي يحصل عليها، وبمدى إحساسه بأن الدولة تنظر إليه باعتباره مواطنا وشريكا وليس فقط مصدرا للعملة الصعبة.

فالسؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه اليوم ليس فقط: كم تحول الجالية من الأموال إلى المغرب؟ بل أيضا: ماذا نقدم لها مقابل هذا الارتباط الاقتصادي والاجتماعي؟

فمغاربة العالم لا يحتاجون بالضرورة إلى امتيازات استثنائية، بقدر ما يحتاجون إلى معاملة تليق بمكانتهم ومساهمتهم. وإذا كانت الدولة تعتبر الجالية رافعة أساسية للاقتصاد الوطني، فإن ذلك ينبغي أن ينعكس في شكل سياسات ملموسة يشعر بها المواطن منذ لحظة حجز تذكرة السفر، مرورا بالعبور والدخول إلى التراب الوطني، وصولا إلى الإدارة والاستثمار والخدمات اليومية.

لقد حان الوقت للانتقال من خطاب الإشادة بمغاربة العالم إلى بناء علاقة مؤسساتية أكثر توازنا معهم، تقوم على الثقة والشفافية وجودة الخدمة. فالدولة التي تريد الحفاظ على تدفقات مالية بمليارات الدراهم، وتشجيع الجالية على الاستثمار، وتعزيز ارتباطها بالوطن، مطالبة قبل كل شيء بالاستثمار في العلاقة مع هذه الجالية. والاستثمار الحقيقي هنا ليس فقط في البنية التحتية أو الخدمات، وإنما في الثقة؛ لأن المواطن الذي يشعر بأن وطنه يحترم وقته وماله وكرامته سيكون أكثر ارتباطا به، وأكثر استعدادا للمساهمة في مستقبله الاقتصادي والاجتماعي.

Loading

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
Translate »