​فضيحة الحقيبة الانتخابية بطنجة: صاك البام

Admin: Said El5 ساعات agoLast Update :
​فضيحة الحقيبة الانتخابية بطنجة: صاك البام

skymidaralto.com

في طنجة، يبدو أن الانتخابات لم تعد تحتاج فقط إلى صناديق الاقتراع ومحاضر الفرز والمراقبين، بل أصبحت تحتاج، على ما يبدو، إلى حارس خاص للحقائب أيضا. فبينما كان المواطنون يتوجهون إلى مكاتب التصويت لممارسة حقهم في اختيار من يمثلهم، كانت حقيبة من نوع آخر تشق طريقها إلى قلب المشهد، حاملة معها أوراقا انتخابية، ثم أسئلة لا يبدو أن حقيبة واحدة قادرة على حملها كلها.

هكذا وُلدت قصة (صاك البام)او ( صاك التراكتور)، وهي تسمية ساخرة في ظاهرها، لكنها أصبحت عنوانا لواقعة بالغة الجدية، بعدما أثيرت شبهات حول وجود أوراق انتخابية داخل حقيبتين بمحيط مكتب التصويت رقم 84 بمدرسة القدس بحي كاصابراطا في طنجة، قيل إن بعضها يحمل علامات تصويت مسبقة لفائدة حزب الأصالة والمعاصرة. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال فقط: من وضع الورقة في الصندوق؟ بل أصبح السؤال الأكثر إثارة للفضول: من جاء بالحقيبة، ومن أعطاه إياها، وماذا كانت تفعل في المكان أصلاً؟

والحقيقة أن الديمقراطية المغربية قطعت أشواطا طويلة في تطوير منظومة الانتخابات، من البطاقة الانتخابية إلى مكتب التصويت، ومن المحضر إلى المراقب، ومن ختم الإدارة إلى صندوق يفترض أن يكون سيد الموقف. لكن يبدو أن أحدهم قرر أن يضيف إلى هذه المنظومة ابتكارا إداريا جديدا: إنه : الصندوق الانتخابي المحمول. وربما في النسخة المقبلة من القانون الانتخابي سيُضاف فصل خاص بعنوان: باب الحقائب الانتخابية، شروط حملها، ومواصفات محتوياتها.

المشكلة، طبعا، ليست في الحقيبة باعتبارها حقيبة؛ فالحقائب بريئة حتى يثبت العكس، ولا ذنب لها في أن تُستخدم في الانتخابات بدل حمل الملابس أو الوثائق أو حتى سندويتش الغداء. المشكلة في الأوراق التي قيل إنها كانت بداخلها، وفي ظروف وجودها، وفي الغرض من وجودها، وفي السؤال الأكبر: هل نحن أمام واقعة معزولة، أم أمام محاولة للتأثير في العملية الانتخابية؟

السلطات فتحت تحقيقا، وتم توقيف عدد من الأشخاص، كما جرى الاستماع إلى أسماء سياسية مرتبطة بالعملية الانتخابية، من بينها عمدة طنجة منير ليموري، الذي كان يشغل أيضا مسؤولية مدير الحملة الانتخابية لحزب الأصالة والمعاصرة بالمدينة. فالاستماع إلى شخص ليس إدانة، وورود اسمه في قضية لا يعني تلقائيا ثبوت مسؤوليته عنها. القضاء وحده هو الذي يملك حق تحويل الشبهة إلى مسؤولية قانونية.

لكن السياسة، كعادتها، لا تحب الفراغ. وما إن ظهرت القضية حتى بدأت الروايات تتناسل بسرعة أكبر من أوراق الانتخابات نفسها. روايات عن تورط، وروايات عن مؤامرة، وروايات عن تشويش، وروايات مضادة، ثم جاءت القنبلة الإعلامية: أخبار عن مذكرة بحث بحق عمدة طنجة، وعن مغادرته البلاد باتجاه إسبانيا.

هنا أصبحت القصة أكثر إثارة من مسلسل رمضاني طويل: حقيبة في طنجة، أوراق في مكتب التصويت، تحقيقات في المغرب، وعمدة في إسبانيا.

لكن بعيدا عن السخرية، فإن مسألة السفر تحتاج إلى قدر كبير من الحذر. بعض المنابر تحدثت عن مذكرة بحث وطنية ودولية، وعن مغادرة العمدة التراب المغربي، بينما نقلت مصادر أخرى رواية تقول إن السفر كان مبرمجا مسبقا ولا علاقة له بالقضية. ولذلك فإن القول إنه هرب باعتباره حقيقة نهائية سيكون تجاوزا لما تسمح به المعطيات المتاحة. الرجل قد يكون غادر فعلا، لكن دوافع المغادرة ومسؤوليته القانونية في القضية أمران مختلفان تماما، ولا يجوز تحويلهما إلى حقيقة واحدة لمجرد أن العنوان الصحفي يبدو أكثر إثارة بهذه الطريقة.

ومع ذلك، فإن المشهد يظل محرجا بما يكفي حتى من دون إضافة أي بهارات إعلامية. لأن مجرد وصول قضية أوراق انتخابية إلى هذا المستوى من الجدل يطرح سؤالا بسيطا لكنه مزعج: كيف يمكن لمنظومة انتخابية كاملة، يفترض أنها محكومة بقواعد صارمة، أن تجد نفسها أمام سيناريو يشبه عملية لوجستية لتوزيع أوراق انتخابية؟

هنا تحديدا ينبغي ألا تضيع القضية وسط الصراع الحزبي. فبعض التصريحات ذهبت إلى اتهام خصوم سياسيين بالوقوف وراء الواقعة، في محاولة للتشويش أو صناعة( البوز). وقد تكون لهذه الاتهامات حججها أو سياقاتها السياسية، لكنها تظل اتهامات ما لم يثبتها التحقيق. وفي المقابل، فإن أي محاولة لتقديم الواقعة على أنها مجرد مؤامرة ضد حزب معين قبل اكتمال التحقيق ليست أقل خطورة من القفز إلى إدانة الحزب نفسه.

الحقيقة لا تحتاج إلى حزب يدافع عنها ولا إلى حزب يتهم خصمه باسمها. الحقيقة تحتاج إلى محضر، ودليل، وتحقيق، وقضاء.

والأهم من كل ذلك أن القضية لا ينبغي أن تختزل في شخص عمدة أو حزب أو حقيبة. لأن الخاسر المحتمل في مثل هذه القضايا ليس بالضرورة حزبا بعينه، بل الثقة في الانتخابات نفسها. المواطن الذي يقف في الطابور أمام مكتب التصويت لا يريد أن يعرف أي حقيبة وصلت أولا إلى المكتب، ولا أي حزب يمتلك شبكة علاقات أقوى، ولا من لديه القدرة على صناعة الرواية الأكثر انتشارا على مواقع التواصل. يريد شيئا بسيطا جدا: أن تكون ورقته هي التي تتحدث.

وهذه، بالمناسبة، هي المشكلة في صاك البام. فالصندوق الانتخابي يفترض أن يكون المكان الوحيد الذي تدخل إليه الإرادة السياسية للمواطن، ثم تخرج منه النتيجة. أما إذا بدأت الحقائب والأوراق غير الموضوعة وفق القواعد تتسلل إلى المعادلة، فإن الصندوق يتحول من أداة للديمقراطية إلى مجرد قطعة أثاث تنتظر من يخبرها بما يجب أن تقول.

لكن لا ينبغي أن تجعلنا السخرية ننسى جوهر المسألة. إذا أثبت التحقيق أن هناك محاولة منظمة للتلاعب بالعملية الانتخابية، فالمطلوب ليس فقط تحديد الأشخاص الذين نفذوا العملية، وإنما كشف السلسلة كاملة:

من خطط؟ من موّل؟ من أصدر التعليمات؟ من استفاد؟ وهل كانت هناك ثغرات مؤسساتية سمحت بذلك؟

أما إذا تبين أن الواقعة لا تتجاوز تصرفات فردية أو أن بعض ما تم تداوله إعلاميا كان مضخما، فيجب أيضا إعلان ذلك بوضوح، لأن حماية الانتخابات تعني حماية الحقيقة، وليس فقط حماية الصندوق.

أما تحويل القضية إلى محاكمة شعبية على مواقع التواصل، فذلك لن ينتج عدالة، بل سينتج آلاف القضاة الافتراضيين الذين يصدر كل واحد منهم حكمه قبل أن يقرأ محضر التحقيق..

وإلى أن تظهر الإجابات، ربما يكون من الأفضل أن نعيد الأشياء إلى أحجامها الطبيعية: الحقيبة حقيبة، والصندوق صندوق، والمرشح مرشح، والمتهم متهم حتى تثبت إدانته، والبريء بريء حتى يثبت العكس.

 

لكن شيئا واحدا صار مؤكدا: في هذه الانتخابات، لم تعد الحقيبة مجرد وسيلة لحمل الأشياء. لقد أصبحت بطلا سياسيا من دون أن تترشح، ونجحت في احتلال واجهة الأخبار من دون أن تحصل على صوت واحد.

وهذا، في حد ذاته، إنجاز انتخابي يستحق التأمل.

ففي بلد يقال فيه دائماً إن الصندوق هو الحكم، جاءت طنجة لتطرح سؤالاً أكثر حداثة:

ماذا لو كانت الحقيبة تعرف الطريق إلى الصندوق أفضل من الناخب؟

Loading

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
Translate »