skymidaralto.com
يثير ملف تحويل مبالغ مهمة من العملة الصعبة إلى الخارج عبر القنوات البنكية الرسمية، تحت غطاء عمليات تجارية ومهنية واستثمارية، تساؤلات جدية حول مدى احترام قواعد الصرف وفعالية آليات مراقبة حركة رؤوس الأموال بالمغرب. وتزداد حساسية هذا الملف عندما يتعلق الأمر بأموال يشتبه في توجيهها إلى اقتناء عقارات بدول أوروبية، خاصة فرنسا وإسبانيا، مع تسجيل ملكيتها بأسماء الزوجات والأبناء والأقارب، بينما يكون الممول الحقيقي والمستفيد الفعلي من ورائها شخصا آخر، غالبا ما يكون رجل أعمال أو صاحب ثروة.
وتكمن الإشكالية في احتمال استغلال بعض التسهيلات القانونية المتعلقة بتحويل العملة الصعبة لتنفيذ عمليات تختلف أغراضها الحقيقية عن تلك المصرح بها لدى المؤسسات المختصة. فقد تمر التحويلات عبر البنوك مستوفية الوثائق المطلوبة، لكنها قد تنتهي إلى تمويل استثمارات عقارية بالخارج، دون أن تكون هذه الغاية هي التي بررت الترخيص الأولي بتحويل الأموال.
وفي هذا السياق، تكتسي التحريات المنسوبة إلى مصالح مكتب الصرف أهمية خاصة، بالنظر إلى ضرورة التحقق من حقيقة العمليات التي تتم بموجب التحويلات المرخصة، ومدى تطابقها مع الأغراض المعلنة. فوجود فواتير تجارية أو وثائق محاسبية لا يكفي وحده لإثبات سلامة المعاملة، ما لم يتم التأكد من إنجازها فعليا ومن تناسب المبالغ المحولة مع طبيعة النشاط الاقتصادي المعني.
ومن بين المسارات التي تستدعي التدقيق، التحويلات المرتبطة بالاستيراد، خصوصا في الحالات التي قد تشوبها شبهات تضخيم الفواتير أو التصريح بقيم تفوق القيمة الحقيقية للبضائع. كما تبرز مصاريف السفر والإقامة والتكوين والمهام المهنية باعتبارها مجالا آخر يستحق المراقبة، للتحقق من حقيقة الخدمات المنجزة ومدى ارتباط النفقات بالنشاط الفعلي للشركات، وعدم استعمالها لتبرير تحويل مبالغ لا تعكس احتياجات مهنية حقيقية.
غير أن الجانب الأكثر حساسية يتمثل في احتمال توظيف هذه الأموال في شراء عقارات بأسماء أفراد من المحيط العائلي لأصحاب الثروات. ففي بعض الحالات المحتملة، قد يظهر الزوج أو الابن أو أحد الأقارب في السجلات العقارية باعتباره المالك، بينما يكون شخص آخر هو من وفر التمويل وتحمل التكلفة الفعلية للشراء، مع احتفاظه بحق التصرف في العقار أو الاستفادة من عائداته.
وتفرض هذه الحالات البحث في مصدر الأموال وهوية من أدى ثمن العقار، ومدى تناسب القيمة العقارية مع الإمكانيات المالية للمالك المسجل، فضلا عن تحديد الشخص الذي يمارس السيطرة الفعلية على الممتلكات. فالتسجيل باسم أحد أفراد العائلة لا يشكل في حد ذاته مخالفة، لكن اقترانه بتمويل مجهول المصدر أو بترتيبات صورية لإخفاء المستفيد الحقيقي قد يطرح إشكالات قانونية ومالية تستوجب التحقيق.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري ربط التحويلات البنكية بالاستثمارات المنجزة في الخارج، من خلال فحص الوثائق التجارية والجمركية والمحاسبية والتصريحات الضريبية، ومقارنتها بالممتلكات العقارية التي تم اقتناؤها. كما تبرز أهمية التعاون مع السلطات المختصة في الدول الأوروبية، ولا سيما فرنسا وإسبانيا، للحصول على المعلومات المتعلقة بالملكية العقارية ومصادر التمويل والمستفيدين الحقيقيين، وفق المساطر والاتفاقيات القانونية المعمول بها.
وتتطلب معالجة هذا الملف تنسيقا بين مكتب الصرف وإدارة الجمارك والضرائب والهيئة الوطنية للمعلومات المالية والمؤسسات البنكية والسلطات القضائية، حتى لا تظل المراقبة محصورة في الوثائق المقدمة عند طلب التحويل، بل تمتد إلى التحقق من المسار النهائي للأموال. كما ينبغي أن تشمل التحريات مقارنة الثروات والممتلكات المقتناة بالخارج بالمداخيل المصرح بها، والكشف عن أي تناقضات مالية لا تجد تفسيرا اقتصاديا أو قانونيا واضحا.
وتطرح هذه القضية تساؤلات أساسية حول مدى قدرة الأجهزة الرقابية على رصد التحويلات التي تستغل فيها التسهيلات القانونية لأغراض غير مصرح بها، وحول وجود آليات فعالة لتحديد المستفيدين الحقيقيين من العقارات المقتناة بالخارج. كما تفرض مساءلة مدى نجاعة تبادل المعلومات بين المؤسسات المغربية ونظيراتها الأوروبية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأموال تنتقل عبر القنوات الرسمية ثم تتحول إلى ممتلكات مسجلة بأسماء أشخاص غير الممولين الفعليين.
إن الرهان في هذا الملف يتجاوز مجرد مراقبة خروج العملة الصعبة، ليشمل حماية الاقتصاد الوطني من أي ممارسات محتملة تستهدف إخفاء مصدر الثروات أو الالتفاف على الالتزامات القانونية والضريبية. ولذلك، فإن فتح تحقيقات معمقة، متى توفرت مؤشرات جدية، من شأنه أن يكشف حقيقة هذه العمليات ويحدد طبيعة المخالفات والمسؤوليات، مع احترام قرينة البراءة وعدم الخلط بين الاستثمارات العائلية المشروعة والعمليات التي قد تنطوي على تحايل أو إخفاء للمستفيد الحقيقي.
و السؤال الجوهري الذي ينبغي أن تجيب عنه هذه التحقيقات: هل تستعمل بعض التحويلات المالية المرخصة لنقل ثروات إلى الخارج واقتناء عقارات بأسماء الزوجات والأبناء والأقارب، بينما يحتفظ أصحاب الأموال الأصليون بالسيطرة الفعلية عليها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال، استنادا إلى الوثائق والمعطيات المالية والعقارية، ستكون حاسمة في تقييم فعالية الرقابة على الصرف ومدى قدرة المؤسسات على حماية المال والاقتصاد الوطني.














