سكاي ميضار ألطو .
في قلب الريف ، و من رحم ميضار الطو ، حيث تنسج الخضرة حكاياتها وتتراقص الرياح على نغمات الأمازيغية، يعيش جمال، شاعر الضوء في ظلمات البصر. اسمه، كاسم بلدته ميضار الطو، أصبح مرادفًا للثقافة والإبداع. رغم فقدانه نعمة البصر منذ ولادته، إلا أن جمالًا لم ييأس قط، بل حول إعاقته إلى قوة دافعة، فصار نجمًا ساطعًا في سماء بلدته.

جمال، الشاب الخمسيني، يحمل في قلبه بحرًا من المعرفة. ذاكرته الفذة، التي عوضت فقد بصره، تمكنه من التعرف على الناس من خلال أصواتهم، وحفظ الأماكن والطرق بدقة مدهشة. كلماته، التي تتدفق كالنهر، تحمل في طياتها حكمة العارفين وبساطة البسطاء. فهو ليس مجرد شاعر، بل فنان متعدد المواهب، ينظم الشعر و ينسج لها لحنا، ويعبر عن مشاعره وأفكاره بأسلوب فريد.
جمال يعشق لغته الأم، الأمازيغية، عشقًا صادقًا عشقا أبديا . يرى فيها جوهرة ثمينة تحكي تاريخ شعبه وحضارته. يتغنى و ينشد بلهجتها الرصينة، مستعيدًا أصالتها وعراقتها. كما أنه يولي اهتمامًا كبيرًا بتاريخ الريف، متتبعًا معاركه ونضالاته، ولا سيما معركة أنوال الخالدة التي يُحتفل بها كل سنة.و يبقى وفيا للزمان و المكان.
جمال ليس مجرد عاشق الفن و إزران ن أريف ، بل هو شاعر ممانع. يرفض الاستسلام للظلمات، ويصر على أن ينير المحيط بنوره الخاص.” إزران ن جمال” ، كأشعة الشمس التي تخترق الغيوم، يحمل رسائل أمل وتفاؤل. إنه صوت المظلومين، وصوت الحقيقة، وصوت الجمال الذي يقاوم القبح.
في ليالي القمر الساطع، يجلس جمال في بيته،لا يرى من روعة المنظر شيئا لكنه يحس بجماليته ، يستمتع بسكون الليل و هدير الرياح وهسهسة أوراق الشجر. في تلك اللحظات، يشعر وكأنه جزء من هذا الكون العظيم. يتخيل نفسه طائرًا يرفرف في سماء واسعة، أو شجرة عملاقة تمتد جذورها في أعماق الأرض. الطبيعة هي مصدر إلهامه الأبدي، فهي التي تزوده بالكلمات والأحاسيس التي يعبر عنها. بلدة ميضار الطو ملاذه الاوحد يحفظ طرقاتها و منعرجاتها و سفوحها .
جلسات جمال لا تقتصر على تبادل المعرفة والأحاديث المثمرة، بل هي ملتقى للفرح والسرور. فجمال، ببساطته وحكمته، يخلق جوًا من المتعة والمرح يسحر الحضور ويجعلهم يتطلعون بشوق إلى كل لقاء جديد.
أبصر من كثيرين أبصارا. قلبه مرآة تعكس صفاء روحه، ولسانه ينطق بألحان من ذهب. يحمل حكمة العاقل، وخفة روح الطفل، وسعة صدر الكريم. يجلس بين الناس كالنسمة العليلة، ينعش المجالس بحديثه الشائق، ويضفي على كل مجلس يشارك فيه بهجة وسرور.
تتجسد المتعة في كل كلمة ينطق بها وفي كل قصة يرويها. فحكاياته، التي تغوص في أعماق المجتمع والثقافة، تحمل في طياتها حكمة الأجداد وبساطة الحياة. يمزج جمال بين الفكاهة والمعرفة، فيضحك الحضور ويستفيدون في الوقت نفسه. جو من الود والألفة يعم المكان، فكل من يحضر يشعر وكأنه في منزله.
جمال ليس مجرد شخص ضرير ،هو قلب ينطق، ولسان يرى بل رمز للإلهام والعزيمة والإصرار. إنه يذكرنا بأن الإعاقة ليست عائقًا أمام خلق المتعة و التفائل ، وأن الإبداع يمكن أن يزهر في أي مكان وفي أي ظرف. قصته تلهمنا جميعًا للبحث عن الضوء في الظلمات، وللتشبث بالأمل مهما كانت الظروف.
جمال الألطاوي الممانع ، هو شاعر الضوء في ظلمات البصر، هو نموذج مشرق للإنسان الذي يتحدى الصعاب ويحقق المستحيل. قصته تظل محفورة في الذاكرة، شاهدة على قوة الإرادة وعظمة الروح.
دمت لنا مبدعا و دامت ابتسامتك العريضة. بوجمال.أطال الله في عمرك .مهما قيل في حقك فلن يوفيك حقك.
* أقرضك السلام.
![]()















