سكاي ميضار الطو
شهدت العلاقات الأمريكية–الإسبانية في الآونة الأخيرة توتراً غير مسبوق، خاصة في ظل إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي لم يُخفِ امتعاضه من أداء بعض حلفاء واشنطن الأوروبيين داخل منظومة حلف الناتو، وعلى رأسهم إسبانيا. وقد وصلت هذه التوترات إلى مستوى تهديد مباشر بفرض عقوبات اقتصادية على مدريد، إضافة إلى طرح خيار استراتيجي يتمثل في نقل القاعدة العسكرية الأمريكية في روتا (جنوب غرب إسبانيا) إلى المغرب.
ترتكز القاعدة الأمريكية في روتا، منذ سنة 1953، على اتفاقية دفاعية ثنائية جعلت منها نقطة محورية في الانتشار العسكري الأمريكي بمنطقة البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا. وتضم القاعدة أكثر من 2800 عنصر عسكري أمريكي، إضافة إلى خمس مدمرات متطورة في إطار مشروع الدفاع الصاروخي لحلف الناتو. لكن على الرغم من هذه الأهمية، فإن المواقف السياسية للحكومة الإسبانية بقيادة بيدرو سانشيث، والتي تُوصف بأنها متمركزة يسارًا، زادت من تأزيم العلاقة مع واشنطن، خصوصًا في ملفات مثل الانتقادات العلنية لإسرائيل، والانفتاح على التعاون مع الصين.
الرئيس ترامب، الذي كثيرًا ما عبّر عن استيائه من الدول الأوروبية التي (تعيش على حساب أمريكا) حسب تعبيره، اعتبر أن إسبانيا لا تقوم بما يكفي من أجل المساهمة في الدفاع المشترك، إذ لا يتعدى إنفاقها الدفاعي نسبة 1.3% من ناتجها المحلي الإجمالي، وهي نسبة أقل بكثير من الالتزام المطلوب داخل حلف الناتو 2%. هذا التراخي، إلى جانب التوجهات السياسية للحكومة الإسبانية، دفع ترامب إلى التفكير في خطوات تصعيدية، من بينها فرض عقوبات جمركية على صادرات إسبانيا، لا سيما في قطاعات الزراعة والصناعات الغذائية، بالإضافة إلى إعادة النظر في مستقبل القاعدة الأمريكية في روتا.
في هذا السياق، برز اسم المغرب كبديل استراتيجي محتمل لاحتضان بعض أو كل القدرات العسكرية الأمريكية الموجودة حاليًا في إسبانيا. وتشير تقارير متقاطعة إلى أن إدارة ترامب قامت بدراسة إمكانية نقل جزء من هذه القوات إلى قواعد عسكرية مغربية، خاصة قاعدة “القنيطرة” أو القاعدة البحرية في “قصر الصغير” شمال المغرب، والتي تتمتع بموقع استراتيجي قريب من مضيق جبل طارق، وتتيح مراقبة فعالة لحركة الملاحة البحرية الدولية، إضافة إلى قربها من مناطق التوتر في الساحل والصحراء.
يُعزّز هذا التوجه العلاقات العسكرية المتنامية بين الولايات المتحدة والمغرب، والتي شهدت تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد توقيع صفقات تسليح ضخمة، من بينها حصول المغرب على طائرات الأباتشي وأنظمة دفاع متطورة، إضافة إلى التدريبات العسكرية السنوية المشتركة تحت مسمى “African Lion”. كما أن قرار ترامب في ديسمبر 2020 الاعتراف بمغربية الصحراء شكّل نقطة تحوّل استراتيجي في العلاقة بين البلدين، وجعل المغرب شريكًا أمنيًا أوثق من ذي قبل.
تداعيات هذا التحوّل ستكون كبيرة على عدة مستويات. بالنسبة لإسبانيا، فإن نقل القاعدة من روتا سيعني خسائر اقتصادية فادحة للمنطقة، التي تعتمد على القاعدة كمصدر دخل أساسي، فضلاً عن التراجع الجيوسياسي لمكانة مدريد داخل الناتو. أما بالنسبة للمغرب، فإن استضافة جزء من القوات الأمريكية قد يمثل تحوّلًا جذريًا في موقعه الجيوسياسي، ويعزّز دوره كحليف محوري في أمن غرب البحر المتوسط وشمال إفريقيا، وهو ما من شأنه أيضًا أن يعيد رسم خريطة التوازنات الإقليمية.
وفيما لم يُنفّذ القرار بشكل رسمي بعد، تبقى المؤشرات واضحة: إدارة ترامب أرسلت رسالة قوية لحلفائها الأوروبيين، مفادها أن الشراكة مع الولايات المتحدة لا يمكن أن تستمر دون التزامات واضحة ومواقف متوافقة مع السياسة الأمريكية في القضايا الجوهرية. كما أن التوجه نحو المغرب يُترجم استراتيجية أمريكية أوسع نحو تقوية حضورها في إفريقيا، وتثبيت مواقعها في مواجهة النفوذ الروسي والصيني المتنامي في القارة.
و يمكن القول إن مسألة نقل القاعدة الأمريكية من إسبانيا إلى المغرب لم تعد مجرد احتمال بعيد، بل أصبحت جزءًا من خيارات واقعية مطروحة على طاولة القرار الأمريكي، خاصة في ظل التحولات الدولية المتسارعة، وتبدّل معايير التحالفات الجيوسياسية في عالم ما بعد الحرب الباردة.
![]()
















