أجنا ميضار ألطو
يشهد المغرب في السنوات الأخيرة واحدة من أكثر الأزمات إلحاحًا على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، وهي أزمة غلاء الأسعار وتآكل القدرة الشرائية للأسر. هذه الظاهرة لم تعد مجرّد تقلب عابر في الأسواق، بل تحولت إلى ملف يثقل كاهل المواطن العادي ويضع صانعي القرار أمام تحديات معقدة. فالأسعار، خصوصًا أسعار المواد الغذائية والطاقة، شهدت ارتفاعات متواترة، الأمر الذي انعكس مباشرة على مستوى المعيشة، وأثار احتجاجات وإضرابات في أكثر من قطاع، في إشارة إلى عمق القلق الاجتماعي وفقدان الثقة في السياسات العمومية.
الحكومة تحركت بسرعة عبر حزم دعم ضخمة تجاوزت مئة مليار درهم بين 2022 و2025، كما اتخذت إجراءات استثنائية كتخفيض الرسوم الجمركية على بعض المواد الأساسية ومحاولة ضبط السوق عبر المراقبة. غير أن هذه التدخلات، رغم أهميتها في تهدئة الأزمة على المدى القصير، تظل حلولاً مؤقتة تشبه المسكّنات أكثر مما تشبه العلاج. فهي تُخفّف الضغط لكنها لا تُعالج جذور الأزمة المتمثلة في هشاشة سلاسل الإنتاج، ضعف البنية التحتية للتخزين والتوزيع، والتأثر الكبير بالعوامل المناخية وعلى رأسها الجفاف الذي أدى إلى تراجع إنتاج الحبوب والماشية.
النقد الأساسي الذي يُوجَّه لهذه السياسات هو أنها مكلفة ماليًا ولا تراعي دائمًا الاستدامة. فالإعفاءات والدعم المباشر قد تُنقذ المواطن من أزمة ظرفية، لكنها تثقل ميزانية الدولة وتفتح الباب أمام الاستفادة غير العادلة من طرف وسطاء ومضاربين. والأدهى أن غياب أنظمة صارمة وشفافة لتوجيه الدعم يجعل الفئات الهشة لا تصلها دائمًا المساعدة بالقدر الكافي، بينما يظل التضخم يلتهم مداخيل الطبقة الوسطى، ما يوسع الفوارق الاجتماعية ويغذي التوترات.
أمام هذا الوضع، تبرز الحاجة إلى استراتيجية مختلفة جذريًا. المطلوب ليس فقط ضخ الأموال، بل الاستثمار في إعادة هيكلة المنظومة الإنتاجية الزراعية والغذائية، تطوير حلول مائية مبتكرة لمواجهة الجفاف، وبناء مخزونات استراتيجية تخفف من وقع الأزمات العالمية. كما أن إصلاح سلاسل التوزيع والقطع مع الممارسات الاحتكارية سيعطي للسوق مرونة أكبر، ويمنح المستهلك ثقة في أن الأسعار تُحدد بآليات عادلة وشفافة.
إن المغرب يقف اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يستمر في إدارة الأزمة عبر حلول آنية تعطي انطباعًا بالتحكم لكنها تنقل التكاليف إلى المستقبل، أو أن يتبنى إصلاحات عميقة تمس بنية الاقتصاد والمجتمع على حد سواء. الخيار الثاني أصعب سياسيًا وماليًا، لكنه وحده الكفيل بتأمين قدرة شرائية مستقرة، وتحقيق توازن بين الاستجابة العاجلة للأزمات وضمان استدامة النمو.
غلاء الأسعار تحدٍ اقتصادي كبير ، و امتحان لقدرة الدولة على الابتكار في السياسات، على مواجهة تقلبات المناخ والاقتصاد العالمي، وعلى حماية السلم الاجتماعي. والمغاربة، الذين تحملوا صدمات متكررة، ينتظرون اليوم أكثر من مجرد تدابير ظرفية، ينتظرون رؤية متكاملة تعطي الأولوية للعدالة الاجتماعية وتضع الأساس لاقتصاد أكثر صلابة واستقرارًا.
![]()















