skymidaralto.com
شهدت العلاقات المغربية-الجزائرية نهاية سنة 2025 محطة دبلوماسية جديدة اتسمت بالفشل، بعد انتهاء المهلة غير المعلنة التي راهنت عليها الولايات المتحدة لدفع الطرفين نحو تقارب سياسي يخفف من حدة القطيعة المستمرة منذ 2021، دون أن تسفر هذه الجهود عن أي نتيجة إيجابية ملموسة. فبحسب تقديرات صادرة عن مراكز أبحاث دولية وتقارير إعلامية غربية من بينها، فإن الوساطة الأمريكية اصطدمت بواقع سياسي صلب، قوامه خلافات بنيوية عميقة تتجاوز مجرد سوء تفاهم دبلوماسي ظرفي. واشنطن، التي تنظر إلى شمال إفريقيا من زاوية الاستقرار الإقليمي، وأمن الطاقة، ومكافحة النفوذ الروسي-الصيني، حاولت الدفع نحو خفض التوتر عبر قنوات خلفية، مع تشجيع خطوات تدريجية لبناء الثقة، إلا أن الرهان على عامل الوقت لم يكن كافيا لتغيير مواقف استراتيجية متجذرة لدى الطرفين.
جوهر الإخفاق يعود بالأساس إلى استمرار الخلاف الحاد حول قضية الصحراء الغربية، حيث يواصل المغرب التمسك بمبادرة الحكم الذاتي تحت سيادته باعتبارها الحل الواقعي والعملي، وهو موقف يحظى بدعم أمريكي وأوروبي متزايد وفق بيانات رسمية لوزارة الخارجية الأمريكية، في حين ترفض الجزائر هذا الطرح وتؤكد، انسجاما مع خطابها التقليدي، على ضرورة تقرير المصير عبر استفتاء، مع استمرار دعمها السياسي والدبلوماسي لجبهة البوليساريو. هذا التناقض الجوهري جعل أي تقارب شكلي بلا قاعدة صلبة، وحوّل الوساطة الأمريكية إلى إدارة للأزمة بدل حلها. إضافة إلى ذلك، تشير تحليلات غربية إلى أن الحسابات الداخلية في الجزائر، خاصة دور المؤسسة العسكرية وحساسية الملف في الخطاب الوطني، تقلّص هامش المناورة السياسية، بينما يعتمد المغرب مقاربة تقوم على تعزيز مكتسباته الدبلوماسية الدولية دون تقديم تنازلات يعتبرها سيادية.
انتهاء المهلة الأمريكية دون نتائج يعكس أيضًا حدود التأثير الخارجي عندما يغيب الاستعداد السياسي الحقيقي لدى الأطراف المعنية. فواشنطن، رغم نفوذها، ليست مستعدة للضغط القاسي على أي من البلدين، خصوصًا في ظل حاجتها الاستراتيجية لكل منهما، سواء كشريك أمني أو كمصدر استقرار إقليمي. وعليه، فإن المرحلة المقبلة تفتح على عدة احتمالات مستقبلية. السيناريو الأول، وهو الأرجح على المدى القريب وفق أغلب مراكز التحليل، يتمثل في استمرار حالة الجمود والقطيعة، مع بقاء التوتر تحت سقف مضبوط دون انزلاق إلى مواجهة مباشرة، أي إدارة الخلاف بدل حله، وهو ما يخدم منطق “الاستقرار البارد” لكنه يعرقل أي اندماج مغاربي فعلي. السيناريو الثاني يقوم على تهدئة جزئية وتقارب تقني غير سياسي، يشمل مجالات مثل مكافحة الإرهاب، أو التنسيق المحدود حول قضايا إقليمية، دون المساس بجوهر الخلاف، وهو خيار قد تدفع إليه ضغوط اقتصادية أو أمنية مستقبلية. أما السيناريو الثالث، وهو الأبعد احتمالًا على المدى المنظور، فيتمثل في اختراق دبلوماسي حقيقي تقوده تسوية سياسية مرنة برعاية دولية، وهو سيناريو مشروط بتغيرات داخلية عميقة في مواقف أحد الطرفين أو بتحول كبير في موازين القوى الإقليمية.
فشل المهلة الأمريكية يؤكد أن أزمة العلاقات المغربية-الجزائرية ليست أزمة وساطة بل أزمة خيارات استراتيجية، وأن أي حل مستقبلي لن يكون نتاج ضغط خارجي بقدر ما سيكون نتيجة إعادة حسابات داخلية شجاعة. إلى ذلك الحين، سيظل الجمود هو الوضع الافتراضي، مع كلفة سياسية واقتصادية مستمرة تدفع ثمنها المنطقة المغاربية ككل، في وقت يتحرك فيه العالم بمنطق السرعة والتحالفات الذكية، بينما لا يزال هذا النزاع عالقًا في منطق الصفر أو اللاشيء.
![]()













