العيساتي عبدو : مقهى لولوح

Admin Sa.El6 ساعات agoLast Update :
العيساتي عبدو : مقهى لولوح

skymidaralto.com

العيساتي عبدو

بحثت عنه طويلا، فقد انقطع تواصلي معه منذ مدة طويلة. خطر ببالي اكثر من مرة خلال الايام الاخيرة، وكنت قد قررت ان اتصل بصديقي ابن البلدة، عساه يمدني برقم هاتفه.

لجأت إلى مكتبة هارلم صباح البارحة، لطبع بعض الوثائق بغية المصادقة عليها في البلدية. في هذه المكتبة الواسعة، تصطف الكتب على رفوف متنوعة. كل شيء فيها يتكلم ومن خلال فوهة المدخنة الجاثمة على سطح البناية القديمة، تصدر اصوات صراخ مبحوح وكأنه استنشق دخانا او غبار أزمنة غابرة:

ها التاريخ

ها الجغرافيا

ها الجرائد

ها الفلسفة

ها الأدب

ها صديقك الذي بحثت عنه هناك في الزاوية

التقت أعيننا بينما كنت متوجها نحو الالة الطابعة. نظرت اليه فاستخرج دماغي بياناته من ارشيف الذاكرة. ” انه هو الحاج احمد المديوي ابن ميضار الاعلى”. نظر الي وقال ” السلام عليكم العيساتي”. صافحته وبنبرة صادقة اجبت ” ايها الرجل الطيب. بحثت عنك طويلا “. تصفحت المكان الذي اختاره للجلوس فوجدته محاطا بوثائق أرشيفية ، وخلف العمود الأسمنتي ، اختار مصمم الديكور ان يضع الالة الطابعة، وكأنه يخبرنا بأن الاحداث الماضية يعاد استنساخها بحلة عصرية.

تغيرت ملامح الحاج المديوي، لكنه لم يقع بعد في حفرة الثمانين . تذكرت مجددا قولة الوالد ” يا بني في عقود العمر حفرة، بمجرد ان يقع فيها المرء فانه يخرج منها بملامح أخرى”.

” سعيد جدا لرؤيتك الحاج . يا صديق محمد حسن”

” ابوك ، معذرة اقصد جدك كان رجلا محترما . نحن ساندناه دائما خلال ترشيحاته للانتخابات”

” من قال ان الرجال يموتون!! انهم يتجسدون بعد مماتهم ، أشجارا تظلل الذاكرة” قلت في دواخلي بينما أطبطب على كتف الحاج .

تبادلنا ارقام هواتفنا ، وبمجرد ان انصرفت ، وردت علي رسائل منه عبر الواتساب. ارسلت له صورة ، عليها شخصيات من الزمن الغابر، عساها تؤنس وحشته. كنت واقفا خلفه وبينما كان يتصفح الصورة ، قال دون ان ينظر الي ” هذا في الوسط أبوك، معذرة اقصد جدك، لكنني لا استطيع تذكر البقية. تعال سأريك صورة”. تركت الالة الطابعة منشغلة باستخراج الوثائق .

” هذه الصورة في مقهى لولوح بميضار الاعلى. كان يوم سوق الاحد . ايام السوق الذي لم يتبق من وهجه إلا الرماد. اشار بأصبعه إلى الجالسين في الصورة وقال ” هذا محمذ المختار وهذا البحراوي وهذا الراضي محند ابرشان وهذا اخي من ابي وهذا الاستاذ احمدو الباز وهذا العربي ن دريس الملقب الفاطمي . تعرفهم طبعا”

حملت اوراقي من الالة الطابعة فوجدته مركزا على صورة جدي، وقبل ان أودعه ، قال ” لي مع ابيك ذكريات جميلة خلال زيارته لنا في المانيا اوائل الستينات ” . ابتسم بشكل دافئ وكانت تشع من ملامحه أنوار حياة سابقة. حياة كان فيها السوق ، ملتقى الأحباب والأخبار بضاعتهم. كان الرجال واقفون كأشجار تضلل الذاكرة وكان هو المهاجر من منحه الزمن لسانا زائدا ، يتذوق به الماضي لينطقه حاضرا، وعينا ترى بوضوح احداث وشخوص زمن صار غابرا.

Screenshot

” اراك قريبا الحاج ساتصل بك قريبا لنحتسي مشروبا معا”

“للذكريات تفاصيل متماسكة. يختلط ماضيها بحاضرها بخيوط متشابكة. تقيس الأعمار بالحقب فتجعل الحفيد بعمر الجد وتلغي قران الزمان بالمكان لأن كل ما لا يبقى في الوجدان، هو حدث غير شرعي من رحم الذكرى” تكرر في ذهني بعد ان تحققت بدوري في صورة جدي فوجدت عليها مكان التقاطها ” ساحة البلدية عام 1964 ”

الصورة مع الحاج التقطت من طرف زوجتي .

Loading

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
Translate »