سكاي ميضار ألطو – الابداعية-

ليس الطعام ما يشبع الإنسان، بل إن زاد الروح حلاوة الكلام وما يجود به اللسان.
أحداث الحرب والجوع، غالبا ما تبقى ملتصقة بالذاكرة وبمجرد ان تمد صاحبها بأول القصة، تنساب كلماته في عرضها للتفاصيل وكأن الحادثة، جرت بالأمس بدل عشرات السنين.
هذه السيدة، إكتمل في ذهنها تناغم المتناقضات. الجوع يلاعب الرفاهية والحرب تجاور السلم. النسيان يصاهر الدقة والضحك المسترسل من فمها يجعلني أتردد في تصديق مأساتها.
يقول دوستوفيسكي في محاولة منه لفهم النفس البشرية ” إذا شئت القاء نظرة على الروح البشرية لفهم طبيعة المرء، فلا ترهق نفسك بتحليل صمته، طريقة كلامه، بكائه او مدى تفاعله مع الأفكار السامية. ستعلم الكثير عنه من خلال تأمل كيف يضحك. إذا كان يضحك بشكل جميل فهو إنسان جميل.”
هذه السيدة الهولندية التي ستتم المائة سنة بعد ثلاثة أعوام، كنت قد كتبت حولها منذ شهور. أتذكرها بين الفينة والأخرى ويكون السؤال الذي اختم به الذكرى ” ماتت أم انها ما تزال على قيد الحياة؟”.
صادفتها مساء هذا اليوم، بينما كانت تتجول، مستعملة عربة مشي. وقفت عندها وفتحت زجاج السيارة الجانبي . تقدمت نحوي والضحكة تعلو محياها وقالت :

” اعذرني لم أعرفك”
اعتدلت في جلستي وجعلت اتأمل إطلالتها من نافذتي. كأنها زائر من زمن بعيد. كانت تضحك وتتحدث باسترسال للتخلص من فائض الكلام المحبوس في صدرها والذي لم تجد لإنفاقه مقام.
” لقد رحلت من تلك الشقة حيث سكنت هئ هئ ” تقول
“نعم نعم اعرف ذلك فقد نقلتك كثيرا من هناك إلى مقر النادي الذي تمارسين فيه لعبة البريدج مع اصدقائك” أجبت
” أوه البريدج نعم نعم، معذرة لكنني نسيت من تكون .. حاليا اقطن في دار الرعاية هناك. نعم قريبة من سكني السابق، لكنني اشتقت إلى داري. غرفة نومي، صالون ومطبخ والاهم من هذا كله حريتي. لكن معذرة فأنا أعاني من نقص الذاكرة . من أنت؟” تسأل ضاحكة.
” أعرف عنك الكثير ، رغم أنك لا تعرفينني” أجبت
” آوه حقا!! ماذا تعرف عني أخبرني ” تقول
” اعرف عنك قصة والدك مع العسكري الألماني عام الجوع . يوم خاطبه قائلا ، فاكهة توت لذيذة هذه” أجبت
” أوه نعم نعم ، تذكرت” ترد ضاحكة
“Shoëne Eerdbeern”
كانت العبارة التي أيقظت بها ذاكرتها ورغم المأساة التي تحملها فقد ضحكت السيدة وهي تكررها.
تحقق لقائي معها مجددا وهذه فرصة لأعيد عليكم تفاصيل القصة.
كانت في انتظاري عند بوابة العمارة، فتوجهت نحوها دون خشية من التزحلق هذه المرة. مشينا معا نحو السيارة فطلبت منها ان تضع قدمها اليسرى لأسند ظهرها قبل ان تستقر على الكرسي .
” لقد مدتني ابنتك بعنوان السفرية وهو مختلف عن العنوان الذي نقلتك اليه منذ يومين.” قلت
” لدي موعد مع اصدقاء لأشاركهم لعبة البريدج. سأبقى ساعات قليلة ثم بعدها ستعيد مرافقتي الى بيتي” تجيب
” اتفقنا. أخبريني سيدتي، بما ان عمرك قد تجاوز التسعين فقد عايشت وقائع وأحداث مروعة. أقصد الحرب العالمية الثانية، الجوع الشتائي، تصفية اليهود..”
كانت محافظة على تركيزها حين ذكرت الحدثين الأولين، لكنها انتفضت بشكل ملفت بعد ان أوردت الحدث الثالث. شدت على يدي وقالت :
” مروع مروع حقا ما حدث”
” لليهود تقصدين؟” سألت
” نعم نعم حدث مروع”
يسكن في ضمير الأوروبيين والهولنديين خاصة، شعور أبدي بالذنب. وخز في الضمير يبرر الى حد كبير تغافلهم عن جرائم الصهاينة في غزة حاليا. تصفية اليهود، كانت بتواطئ مدني أكثر من كونه انخراط عسكري نازي. الوشاية بالجيران اليهود، جعلت فيالق النازحين نحو أفران النازية أطول مما توقعه الألمان.
” والدي كان عاملا في شركة القطارات حينها، وقد تهرب من أداء عمله استنكارا لضلوع الشركة في الجريمة . كان علينا ان نغير مقر سكننا ونختفي في دروب المدينة تجنبنا للمتابعة. ان تقدم على عصيان كهذا يستوجب الاعدام وهذا ما جعل دارنا خلال ترحالنا المستمر، مسكونة بالهلع الدائم خشية ان يتم القبض على والدي” تجيب
” أبوك كان شجاعا بخلاف فئة عريضة من الشعب الهولندي سيدتي”
” نعم كذلك كان. ذات مرة وبينما كان يتجول في مركز بلدة هيمستدن، استوقفه مشهد فاكهة التوت الشهية. يوست وحده يعلم كيف تأتى لبائع الفواكه في تلك الفترة الموسومة بالجوع، أن يحصل على فاكهة التوت” تزيد في قولها .
” يوست وحده يعلم” قولة هولندية ، يستعملها المتكلم حين لا يجد تبريرا لقوله. استرسلت العجوز في قولها :
” منظر الفاكهة الطازجة شد انتباه والدي وأعتقد انه كان يتضور جوعا تماما كما كان حالنا نحن ابنائه. كنا نتغدى ببصل الاقحوان بعد طبخه في الماء. لك ان تتصور طعمه”
معذرة، علي ان اتوقف لأقربكم من طعم الاكلة. بذرة الاقحوان، قريبة في شكلها وحجمها من البصل. هكذا سمّاها مغاربة الجيل الثاني الذين اشتغلوا في حقول الورورد. ما عليكم إلا ان تطبخوا البصل في الماء ثم عجنه. شهية طيبة
” توقف والدي وجعل يتأمل فاكهة التوت وكأنه في حلم، سرعان ما تحول الى كابوس” تقول العجوز بيقظة وكأنها سمعت دوي رصاص البنادق
” كابوس!! ماذا تقصدين؟ ” قلت
” عسكري ألماني كان يقترب بخطاه القوية من والدي. دنوه منه جعل الموت تتجسد أمامه . أهون الشر الحبس في غياهب المعتقلات هذا اذا لم يتم رميه بالرصاص كما كان مصير من يمتنع عن خدمة الألمان. زاد العسكري في قربه من والدي الى ان توقف وقد استشعر أبي الهواء المنبعث من فمه. توقف لحظة كانت أطول اللحظات في عمر والدي وجعل يتأمل فاكهة التوت ثم قال :
saubere Erdbeeren
ماذا تعني بالألمانية ؟” سألت ”
معناها ، فاكهة توت شهية. تنفس والدي الصعداء بعد انصراف العسكري الذي استوقفته طراوة التوت أيضا
بلغنا العنوان وبعد ثلاثة ساعات، عدت اليها فوجدتها منشغلة مع رفاقها باللعبة. بجانبها رجل نشيط وحيوي عمره تسعون وسيدة بنفس عمر بطلتنا وسيدة رابعة اقتربت من التسعين.
اسم اللعبة البريدج، أي القنطرة بالإنجليزية. تذكرت بينما اتأمل انشغالها وتبادل الكلام مع أصدقائها، قنطرة صغيرة رأيتها ذات يوم في بلدة زرتها. إسمها ” القنطرة الأخيرة”. جعلوا لها هذه التسمية لأنها قنطرة تفصل المقبرة المحلية عن الشارع الذي يعج بالحركية.
صادفت السيدة هذا المساء فتأكد الجواب عن تساؤلي بخصوص حالها. يبدو من ضحكتها ونشاطها، انه سيتأخر موعد عبورها للقنطرة الصغيرة.
القنطرة الأخيرة التي ستجتازها لا محالة ضاحكة.
![]()















